موسم العناقيد الليلكية


تردد كثيراً في الآونة الأخيرة أن ربيع هذا العام مميز. الحمد لله، كانت أمطاره وفيرة ودرجات الحرارة لا تزال أقل من معدلاتها السنوية. وبسبب تلك الظروف المتعلقة بالحرارة وتوافر المياه؛ فإن النباتات تتأثر بشكل مباشر. ولذلك فقد كان الغطاء النباتي من الأعشاب والأزهار البرية متنوعاً ودام أطول من المعتاد.

وقد تكون برودة هذا الشتاء ساهمت في أداء لافت لشجيرات الويستريا المزهرة. أراقبها في كل عام، لكنها فعلاً مميزة هذا الموسم. كثيفة وغنية ومتدلية في كل مكان!

الآتي صور التقطتها خلال الأسبوع الماضي من أحياء مختلفة في مدينة عمان:










كلمات وصور زلقة


يقول عبد الرحمن منيف في مقدمة كتابة "سيرة مدينة - عمان في الأربعينات" :

"إن الكتابة عن مدينة الماضي التي يحبّها الإنسان تحول هذه المدينة إلى كلمات، والكلمات ذاتها، مهما كانت بارعة، زلقة، خطرة، ماكرة، وغالباً لا تتعدى أن تكون ظلالاً باهتة لحياة، أو في أحسن الحالات ملامسة لها من الخارج، أو مجرد اقتراب، علماً أن الحياة ذاتها كانت أغنى، أكثر كثافة، ومليئة بالتفاصيل التي يصعب استعادتها مرة أخرى."


تحدث منيف هنا عن الكلمات، أن الكلمات مهما كانت بارعة فهي لن تنجح - في رأيه - في أن تعكس الصورة الحقيقية للحياة "الأغنى والأكثر كثافة والمليئة بالتفاصيل". جعلني هذا الاقتباس أتأمل لبرهة من الوقت، فما يراه عبد الرحمن منيف في الكلمات، أراه بصورة مغايرة تماماً في الصور. فالتصوير كنوع من أنواع التوثيق في متناول يد الجميع. في وقتنا الحالي يمتلك المعظم أدوات تتفاوت في الاحترافية لكنها تؤدي الغرض سواء لالتقاط صور شخصية، أو صور للمدن والعمارة والمناظر الطبيعية وحتى مقاطع فيديو تحتوي على الكثير من التفاصيل والحركة والأصوات.

يعيب البعض بهرجة ذلك المحتوى الزخم التي يُتناقل بكثرة على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ويخضع في كثير من الأحيان إلى التحرير والمؤثرات وزيادة تشبع اللون أو التحكم بالإضاءة. حتى أن هناك تطبيقات تتيح إجراء عمليات تجميل سريعة للوجوه، فتُزال البثور والهالات السوداء ويُصغّر الأنف وتنفخ الشفاه وتصبح البشرة مخملية بكبسة زر.

وقياساً على نظرة منيف؛ تقع تلك الصور لأن تكون "ماكرة" أيضاً وألا تعكس الصورة الحقيقية لكن بالعكس. ففي الوقت الذي كانت فيه كلمات (منيف) تفشل في التعبير عن واقع غني وكثيف، تعكس كثير من صورنا صورة أكثر جمالاً وأكثر كثافة لواقع باهت و رتيب أقل مثالية وأقل بريقاً مما هو عليه على أرض الواقع.


هل نحن معنيّون بتوثيق القبح؟ هل علينا أن نتجاهل الجمال من حولنا؟ قطعاً لا.

سنلتفت في كل ربيع إلى جمال الطبيعة، وسيسحرنا بياض الثلج في كل شتاء، سنضحك لرؤية أعين الأطفال اللامعة، وسنبقى دائماً نلتقط صوراً في المناسبات والأعياد عندما نكون في أحسن هندام لنوثق تلك الأيام التي نكون فيها حسان المظهر.

لكن ما علينا الانتباه إليه - برأيي - ألا نبالغ. فلا نتكلف عناصر دخيلة على صورنا، أو نفتعل ضحكات غير حقيقية أو نشعر أن علينا دائماً أن نكون مثاليين وجميلين على الدوام. أن نحتاط من تلك الصور "الزلقة"، على غرار الكلمات التي تحدث عنها عبد الرحمن منيف، التي تجعلنا ننزلق أحياناً لفخ المقارنة بما هو غير واقعي.

سواء كان هذا المحتوى للإنتاج أو الاستهلاك (بما أن المعظم يقوم بالدورين بالتزامن) أعتقد أن علينا الالتفات لتفاصيل صغيرة تشعرنا ومن حولنا بالسعادة، تفاصيل في متناول يد المعظم، ولا تجرح من يفقدها أو تشعره بالحرمان. محتوى يساعدنا على التصالح مع الواقع البسيط، والاحتفاء بالعيش الهادئ، يقدّر القيم المعنوية ويتجاوز الاستهلاك. صور ومنشورات واقتباسات تلهم من حولنا، وتعطيهم شعوراً جيداً أو تدفعهم إلى التفكير، أو تمدّهم بجرعة من التحدي.  

يومي في ثوانٍ


بدأت في ٢٧ من كانون الأول العام الماضي بتصوير سلسلة من اليوميات المصورة جمعتها في وسم "يومي في ثواني". وهي عبارة عن مجموعة من مقاطع الفيديو التي لا تتعدى ال١٥ ثانية أجمع فيها مقاطع قصيرة لتوثيق لمحات من يومي. ففي كل يوم أحاول التقاط مقاطع فيديو قصيرة جداً، تتراوح بين الثانية الواحدة والخمس ثوانٍ، ثم أحررها وأقصرها وأجمعها بشكل متسلسل بحيث يكون مجموع الثواني خمس عشرة ثانية.
شاركت تلك المقاطع اليومية بمثابرة وانتظام على مدى الثلاثة أشهر الماضية على حسابي في انستجرام. كانت نشاطاً إبداعياً يومياً، دفعني لصناعة محتوىً بشكل شبه يومي. كان ممتعاً وحظي بتفاعل واسع من قبل الأهل والأصدقاء.

لكني في هذا الأسبوع، ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، بت أفكر في استمرارية هذا المشروع الشخصي. بعد ٣ أشهر، أستطيع أن أشارك بعض الانطباعات والدروس المستفادة من التجربة.


الجوانب اللطيفة في التجربة:

- ملاحظة تفاصيل يومية بسيطة
لأني كنت بحاجة إلى لقطات منوعة لصناعة اليوميات المصورة، كان علي ملاحظة تفاصيل صغيرة وتوثيقها. ساعدني ذلك على رؤية قطرات المطر على حوض النباتات، أو وضعية ظريفة لأحد القطط، وحركة الناس في شارع يعجّ بالحياة والمارة، ولون السماء وقت الغروب. كثير من تلك التفاصيل كنت لأغفل عنها في خضم الحياة اليومية لولا تلك العدسة المتفحصة التي كانت تيقّظني وتلزمني بإنتاج مقطع فيديو في آخر اليوم.
تجدر الإشارة إلى أن الأيام التي كانت تلقى تفاعلاً أكثر، هي تلك الأيام الهادئة التي كنت أقضيها في المنزل. على خلاف ما كنت أتوقع، فإن الأيام الحافلة بالأحداث أو الرحلات لم تكن تشد الانتباه بقدر ما كانت تفعل الأيام بطيئة الوتيرة. بعد شيء من التفكير يبدو ذلك منطقياً، أليس كذلك؟ من بحاجة لرؤية يوم استثنائي شيّق لشخص آخر في مدينة أخرى لا يستطيع هو/هي الذهاب إليها والقيام بأنشطة مشابهة؟
أظن أننا نميل لما يشبهنا ويشبه حياتنا ونتواصل معه. أؤمن بأن لدى الجماهير المتلقية على منصات التواصل الاجتماعي فراسة لا يستهان بها، وقدرة على الإحساس بالمحتوى المتكلف المتقن المبالغ بصنعه من جهة، وذلك العفوي الذي صُنع بتلقائية ودون رغبة بالاستغراض من جهة أخرى. كثيرون - وأنا شخصياً منهم- تلفت انتباههم تفاصيل الحياة اليومية العادية الرتيبة الصغيرة. لذلك كنت أسعد دائماً بالتعليقات والمشاركات أن مقاطع "يومي في ثوانٍ" شجعت البعض على ملاحظة التفاصيل اليومية الصغيرة والاستمتاع بها بشكل أكبر. 


- تقدير الطقوس العائلية والاجتماعية:
 الاجتماع على مائدة الفطور، أو أحاديث فنجان القهوة، أو الكنكنة في الشتاء ، وغيرها من الطقوس اليومية التي كنت أظن أنها اعتيادية للملايين من الناس،  أصبحت أراها من منظور آخر. 
ذكرني التفاعل والتعليقات بأن الكثير من الأمور ليست تحصيلاً حاصلاً، وأنها من النعم المغبون بها كثير من الناس.
كنت أتلقى العديد من التعليقات الدافئة المليئة بالنوستالجيا لأيام مضت، أو لمغتربين مشتاقين للمّة العائلية. وحتى أني تلقيت رسائل مؤثرة من أصدقاء على انستجرام كانت تذكرهم مقاطع الفيديو تلك بأيام سوريا التي اضطروا لمغادرتها، لبيت الجد، والاجتماعات العائلية. كنت أشعر بالغصّة والخجل من تلك الرسائل، وكنت أخاف أن تبعث تلك المقاطع المرارة والحزن على أيام مضت لدى الكثيرين. إلا أن تلك الرسائل غالباً ما كانت تصاحبها كلمات تشجيع لطيفة تطلب الاستمرار في صنع محتوى مشابه، حيث أنها تذكر مرسليها بذكريات جميلة.

- صناعة المحتوى كنشاط تشاركي
من اللطيف أن يشترك أفراد العائلة والأصدقاء في صناعة تلك المقاطع. كنت أركز دائماً على عفوية اللقطات وأن تكون مصورة بتلقائية وبنفس اليوم.  لكني كنت أحتاج للمساعدة في أحيانٍ كثيرة،  كتثبيت كاميرا الهاتف، أو تصوير لقطة ما (كإزالة ورقة الروزنامة اليومية التي يساعدني فيها أخي عبد الحميد)، أو الأفكار التي كان يقترحها بمرح الأقارب والأصدقاء. خالتي وبنات خالتي مثلاً كانوا يتعاونون دائماً ويذكروني بحماسة  بتصوير لقطة ما من زياراتنا العائلية، وكانوا متعاونين جداً ويساعدونني في الإضاءة و زوايا التصوير. عمتي أيضاً كانت شديدة الصبر، وتحملتني بكل حبّ في أيام عديدة كذلك اليوم الذي صورتها فيه وهي تصنع الكراوية أو في أحد أيام الجُمع وهي تسكب المنسف (عوضاً عن مساعدتها). خلقت مقاطع "يومي في ثوان" شيئاً من المرح، وأضحت نشاطاً تفاعلياً يشترك فيه الحاضرون في تلك الأيام، ويترقبونه نهاية اليوم ليروا الثانية التي ظهروا فيها. 

هناك أيضاً بُعد تفاعلي تشاركي آخر، وهو اهتمام الكثيرين بتجربة التوثيق اليومية، وقيامها بعمل نسخهم الخاصة من "يومي في ثوانٍ". شاركني العديدون مقاطع جميلة قاموا بإنتاجها لتوثيق رحلات أو أيام معينة. كنت أسعد كثيراً عندما يرسلونها لي بشكل خاص أو يشاركونها على الوسم (#يومي ـ في ـ ثواني). ساعدتني تلك المشاركات الجميلة من حول العالم، ومن الوطن العربي تحديداً، على التعرف على أصدقاء انستجراميين لم أرهم يوماً وجهاً لوجه.  كانت تأخذني إلى مدنهم، أشرب معهم قهوة الصباح، وأستقل معهم المواصلات، وأشتري معهم الخضار الموسمية من الأسواق الشعبية، وأرى العالم من خلال أعينهم. الحياة في الكويت، والدار البيضاء، والقاهرة وغيرها من المدن التي لم أذهب إليها (بعد :))، حياة حقيقية محلية أصلية بعيون أصحابها. 

- الالتزام والمواظبة
عند النظر بأثر رجعي إلى الثلاثة أشهر الماضية، أشعر بالرضى والسعادة لتمكني من الالتزام بذلك المشروع الشخصي والمواظبة عليه يومياً. "يومي في ثوانٍ" كان بمثابة دورة شخصية مكثفة لتطوير مهارات التصوير وتحرير مقاطع الفيديو ومشاركة محتوى بشكل منتظم على حسابي في انستجرام.


الجوانب السلبية في التجربة:

- الاضطرار إلى إبقاء الهاتف في متناول اليد طوال الوقت
بعض اللقطات مخطط لها، والبعض الآخر عفويٌ لا نعرف متى يحصل. لذلك كان لا بد من إبقاء الهاتف قريباً، ومشحوناً، وبذاكرة كافية لتخزين مقاطع الفيديو الكثيرة، غير تحرير المقاطع مساء كل يوم. كل ذلك كان مجهوداً لا بأس به. بسبب ذلك أشعر أني بحاجة إلى استراحة (فأنا أشتاق لحميتي الإلكترونية)، استراحة من التصوير ومن وهج الشاشات ومن بعض التشتت هنا وهناك.

- الاختزال
اليوم ٢٤ ساعة، ١٤٤٠ دقيقة، ٨٦٤٠٠ ثانية. نحن نقتطع من تلك ٨٦٤٠٠ ثانية ١٥ ثانية فقط لنوثق كيف كان ذلك اليوم. بالتأكيد لن نستطيع عكس صورة واقعية لمجريات الأحداث السلبية والإيجابية. سنميل إلى توثيق ما هو جميل منها، ولذلك من السهل الوقوع في فخ الأيام المثالية بالغة السعادة التي ليس لها وجود على أرض الواقع. لذلك فإن واقعية ذلك محتوى مشكوك بأمرها. 


ختاماً، لا أدري إن كنت سأكمل صناعة تلك المقاطع أو لا. ربما أشاركها بين الحين والآخر، أو ربما ألزم نفسي ثانية بها استكمالاً للنشاط التوثيقي طالما أن لدي القدرة والوقت لذلك. أو ربما يجب أن استحدث فكرة إبداعية أخرى ألزم نفسي بها الفترة القادمة. لست أدري بعد. 

قرأت لكم: الحقد على الغرب


بعنوان جاذب و دراماتيكي مثل "الحقد على الغرب" استطاع الكتاب أن يلفت انتباهي وأنا أبحث عن كتاب آخر في المكتبة العامة، وانتهى بي المطاف باستعارته وقراءته. بالإضافة إلى العنوان فإن خلفية الكاتب "جان زيغلر" شجعتني أيضاً على قراءة الكتاب. فزيغلر هو المقرر الخاص للأمم المتحدة بالحق في الغذاء بين عام ٢٠٠١ و ٢٠٠٨ وعضو في الهيئة الاستشارية للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. أي أن ذلك يعني أن المؤلف جزء من المنظومة و "شهد شاهد من أهله".


نبرة الكتاب (وخصوصاً في البداية) تبريرية وكأن الكاتب يقنع القارئ/ة أن لدى الجنوب أسباباً مفهومة للحقد على الغرب.
أليس هذا أمراً مفروغاً منه؟

شعرت أن الكتاب ليس موجهاً لي - وهذا بحد ذاته قصور برأيي واستمرار في إشكالية مركزية الإنسان الأبيض والتحيز للمنظور الغربي في مخاطبة جمهوره وتصميم محتوى الأدب والإعلام وغيره من أشكال المحتوى المختلفة لتخاطب الإنسان الأبيض المسكين الذي لا يعرف ماذا يحصل خارج نطاق أوروبا أو أمريكا الشمالية.

بما أني أعيش في منطقة ترزح تحت وطأة إرث استعماري ثقيل - مثلي مثل أي إنسان في القسم الجنوبي من العالم - فإن محتوى الكتاب لم يصدمني، الاستفاضة بأمثلة الظلم والاستغلال في مناطق مختلفة من القسم العالمي الجنوبي جعلتني أكثر حقداً على الإنسان الأبيض واستعماره القديم والحديث.
أمثلة كثيرة تناولها الكتاب كحالات دراسية في فصول مختلفة عن تاريخ العبودية في إفريقيا، واستعباد الفلاحين في شبه القارة الهندية، ثم استهتار فرنسا في خطابها مع الدول الإفريقية، فالحرب على غزة،  وصولاً إلى الوضع في نيجيريا والانقلابات العسكرية المدعومة من الغرب ثم فسحة الأمل الصغيرة في بوليفيا ..كلها نماذج أكّدت لي ضرورة تكاتف الشعوب المقهورة مع بعضها ورفضها أي "مساعدة" أو "منح" أو "دعم" مِن مَن أوصلهم إلى هذا الحال من الأساس ويستفيد من استمراريته.

حاول الكاتب أن يورد في الخاتمة توصية (لم أعرف لنا أم لهم) "بإعادة بناء الذاكرة واسترداد الهويات، وبإدراك الحقوق البشرية وبإنشاء الوطن في بلدان الجنوب".
كلام فضفاض متوقع من ابن الأمم المتحدة بتقاريرها السنوية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

رأيت الخطاب تنظيرياً، وهو الذي أورد بنفسه أن الغرب عندما عدل عن احتلال الأراضي في مستعمراته السابقة لدوافع ذاتية وليس استجابة لمطالب الشعوب المستعمَرة فإنه استمر في استعماره إذ غير الأسياد أقنعتهم ليس إلا وأحضروا أبناء الاستعمار المدللين (كما يصفهم فرانز فانون) وهم الخونة من الشعوب المستعمَرة والذين تربطهم مصالح وتعطى لهم امتيازات مقابل التواطئ مع "الغرب" على حد تعبير زيغلر. والغرب الذي لا يزال ينتفع من بؤس مستعمراته السابقة وفقرها واعتمادها عليه من خلال سياسات محكمة مفروضة عليها لتخدم مصالحه ويرعاها له البنك الدولي بشكل حثيث.


في موضع آخر يقول:
"الغرب مستبد من حيث لا يدري هوايته المفضلة ان يعظ العالم كله ويلقنه دروسا في الاخلاق . ذاكرته من حجر تتطابق ومصالحه الاقتصادية . تضلله غطرسته . فلم يعد الغرب منذ زمن طويل يعي النفور الذي يثيره . فهو يمارس دوما لغة مزدوجة فيما يتعلق بنزع السلاح و حقوق الانسان".

شهادة كهذه محاولة جيدة لكن لدي بعض الملاحظات:
- هل الغرب مستبد *من حيث لا يدري* ؟ لأن هذه مصيبة
- "ذاكرته من حجر"؟ إذن المشكلة في الذاكرة الجماعية في الغرب. والحل في هذه الحالة الاعتراف بالمشكلة على غرار تعامل ألمانيا المستفيض مع موضوع النازية وظهور أجيال لاحقة من الألمان يعيشون تحت عقدة الذنب لأنهم لا يريدون للتاريخ أن يتكرر بعد الكثير من المناهج الدراسية، وزيارات المتاحف والبرامج الوثائقية وغيرها.
- اللغة المزدوجة: التي تعرفها جيداً كشعوب الجنوب، ولا يوجد ما هو أنكى من لعب الجاني دور المخلص والمنقذ في المحافل الدولية والأزمات.

لكني لا أزال أعترف أن الكتاب محاولة إيجابية في الطريق الصحيح، وإن كنت أتمنى من أستاذ علم الاجتماع في جامعة جنيف والذي يصف نفسه في الكتاب ب"الوجيه الاشتراكي الديمقراطي الأوروبي" بأن يكون خطابه أكثر حدة في توجيه الغرب ليس لتفهم الحقد وإنما لتحمل مسؤوليته، والاعتذار عن أخطاء الماضي التي لا تزال أجيال متتالية تدفع ثمنها حتى أجل غير منظور، وأن يؤطر المشكلة بشكل أوضح برأس المال وجشع الشركات العابرة للقارات وليس فقط الاكتفاء بذكره تلك الشركات وخبثها بمعرض الحديث.

* تم نشر هذه المراجعة على موقع الجويدز في ٣ آذار ٢٠١٩

ربيع بلادنا


تصف رضوى عاشور الربيع في كتابها الطنطورية:

" نسمّي العشب في بلادنا "ربيع"، لأن الربيع حين يدور العام ويحلّ موعده، يكسو به التلال والوديان. طبقاتٌ وصنوفٌ وطوائف من اللون الكثيف أو الخشن أو العميق أو الهش أو الناعم أو الحيي الخفيف، وكلها أخضر يجمح بلا قيدٍ عليه ولا يحزنون. تنبت في رحابه زهور البر، تتناثر على هواها في المكان، ولا تملك رغم أحمرها وأصفرها ودرجات البنفسج، إلا أن تبقى منمنمة غارقة في بحره."


"وحدها شجرة اللوز تتسيد ربيع البلد، ملكة بلا منازع. لا أحد يجرؤ من جيرانها الشجر. حتى بحر البلد يغار من شجر اللوز في الربيع، والزبد أيضاً يغار، أين لأبيضه المسكين بقلب قرنفلي يأخذ الناس خلسة إلى القرمزي الصريح؟ ينوّر اللوز، يسرق قلوبنا ثم يزيد، يتملكها بثمره الهش المراوغ، لاذع وسكر. لا ننتظر تخشبه، نمد أيدينا إلى القطوف القريبة. نتسلق الأغصان فنحصل على ما نريد. نأكله عن الشجر أو نحمل زوادة منه في جيوبنا أو نرفع أذيال الثوب ثم نلمّه فيها ونطير إلى البيت."



"تقول أمي: "شباط ما عليه رباط". تقول: "شباط الخبّاط يشبط ويُخبط و ريحه الصيف فيه". وتكون الرياح نشطة والأمواج عالية والبرودة ما زالت براحتها، تقصّ العظم، كأننا في عزّ الشتاء، لكننا نعرف أن آذار على بعد خطوتين من البلد. ثم ينوّر اللوز، كأنه يفتح الطريق ويسمح، يتبعه نوار الشمس وبعدها تُجنّ الأشجار وهي تندفع إلى المنافسة، أزهارها في الأول، ثم بشائر الثمار، فنعرف أن نيسان قد ثبّت قدميه في الأرض، وأن آيار يتبعه ليسوّي القمح في البيادر والفاكهة على الشجر."


الأشياء تتداعى


قامت عمتي مؤخراً بإعطائي مجموعة من كتبها. الكتب لطيفة ومنّوعة وأغلبها من آداب ثقافات مختلفة. أنهيت منها رواية "الأشياء تتداعى" للكاتب النيجري غينوا اتشيبي والتي نُشرت للمرة الأولى عام ١٩٥٨. والآن أقرأ في مختارات من القصص القصيرة الأوزبكية.

كتبت مراجعة بسيطة على موقع جودريدز، أما التالي أحد الاقتباسات التي استوقفني من رواية "الأشياء تتداعى":


"لو قلت إننا لم نتوقع وليمة فخمة كهذه لكنت كمن يوحي بأننا لا نعرف كم هو كريم ابننا أوكونكوو. إننا جميعاً نعرفه، وتوقعنا وليمة كبيرة. ولكنها كانت حتى أكبر من توقعاتنا. شكراً لك. وأدعو أن تعوّض على ما أنفقته عشرة أضعاف.

وإنه لأمر حسن في هذه الأيام التي يعتبر فيها الصغار أنفسهم أحكم من الكبار أن يرى المرء رجلاً يقوم بالواجب على الطريقة الرائعة القديمة. إن الشخص الذي يدعو أقاربه إلى وليمة لا يفعل ذلك لإنقاذهم من الجوع، فهم جميعاً لديهم طعام في بيوتهم. وعندما نجتمع في ساحة القرية في ضوء القمر لا نفعل ذلك من أجل القمر، فكل شخص يستطيع أن يشاهده من منزله الخاص. إننا نجتمع لأنه أمر حسن للأقارب أن يفعلوا ذلك. وقد تتساءلون أنتم - ولوّح بذراعه مشيراً إلى حيث كان يجلس معظم الشباب - بالنسبة إلي لم يبق أمامي سوى وقت قليل في هذه الحياة، وكذلك كبار هذه القبيلة أوشيندو وإيميغو .. ولكني أخشى عليكم، أنتم الشباب لأنكم لا تدركون كم هو قوي رباط القرابة. إنكم لا تعرفون ماذا يعني أن تتكلموا بصوت واحد. وما النتيجة؟ لقد حلت ثقافة جديدة مقيتة بين ظهرانيكم. ويستطيع المرء الآن أن يهجر أباه وأشقاءه، ويستطيع أن يشتم معتقدات آبائه وأجداده، مثل كلب الصياد الذي يصيبه السعار على صاحبه ويرتد عليه. إنني أخشى عليكم .. أخشى على العشيرة."

والتفت ثانية إلى أوكونكوو وقال: "شكراً لأنك جمعتنا سوية".

لقيمات هنية


البعض يقولون عنه "غذاء للروح" وآخرون يصفونه بأنه "باعث على الراحة"؛ ما هو سر الطعام الذي يؤكل ويكون هنيئاً مرئياً في أيام لا يمكن وصفها بأنها مشرقة أو سعيدة؟ 


يقال أن هناك أنواعاً مختلفة مما يعده الناس طعاماً باعثاً على الراحة. هناك الطعام المرتبط بالنوستالجيا؛ كالبيض المقلي على طريقة الجدّة، أو طبخات مقترنة بالطقوس كأكلات اللبن في اليوم الأول من العام الهجري أو الميلادي، أو وجبات نشأنا على حبها منذ كنا أطفالاً وتشعرنا بالحنين إلى الماضي كلما تناولناها، كالأطباق التي تحضّر في المناسبات على غرار التبولة والحراق أصبعه وغيرها.


أما بالنسبة إلى البعض فإن الطعام الباعث على الراحة هو الطعام الغني بالكربوهيدات كالمخبوزات بأنواعها أو بالسعرات الحرارية و التي تكون فيه النكهات مركزة؛ الحلو حلوٌ جداً كالشوكولاته والبوظة، والمالح مملحٌ بسخاء كالبوشار والمكسرات ورقائق البطاطا، والحامض لاذع كالسكاكر المغلفة بملح الليمون.

يقال أن الراحة الناتجة عن ذلك النوع من الأطعمة لحظية، فبمجرد الانتهاء من الطعام تنتهي اللذة ويأتي محلها شعور مزعج بالامتلاء. لهذا السبب يصر الكثيرون على أن الطعام المريح هو ما كان سهل التحضير من جهة، وسهل الهضم من جهة أخرى.



عملية التحضير مهمة لأنها هي ما تجعل طعاماً ما "باعثاً على الراحة" أو كما نقول في لهجتنا "النَفَس".. فالخبرة وحدها أو التقييد بإرشادات الوصفة لا يكفي؛ نَفَس من يقوم بتحضير الطعام يحدد إن كان الطبق لذيذاً أم لا. كما يقال أن هناك أناس "نفسهم طيبة"، و أن من يأكل في بيوتهم أو من ضيافتهم "يتهنّى".


أذكر مرة أنني رافقت صديقتي وأمها إلى السوق الأسبوعي في أحد ضواحي اسطنبول في القسم الآسيوي. ونحن في السوق قالت الأم أننا قريبون من بيت أهلها وأن علينا الذهاب للسلام على الجد والجدة، وأن زيارتنا السريعة ستكون فرصة لأداء صلاة الظهر التي حان وقتها. بعد أن خلعنا أحذيتنا على الباب وقبّلنا يديّ الجدة، دخلنا على بيت صغير هادئ بنوافذ كبيرة، ستائره بيضاء ومشغولة جوانبها يدوياً بالسنارة. لم يكن الوقت قد حان لأي وجبة، فقد تخطينا الفطور ولا يزال هناك متسع من الوقت للغداء، لكن الجدة أصرت أن نتناول حساء خضراوات موسمية. قلت لها مجاملة أنه لا داعٍ لكنها قالت ببالغ الجدية: "حسائي لا يُفوّت .. حسائي فيه شفاء". ابتسمت من فكاهة الجدة، فهي مجرد شوربة خضار بالجزر المسلوق والكرفس، لكن ملامحها غدت أكثر جدية وقالت بنبرة تقارب العتاب على ابتسامتي المستهترة: "أطبخ طعامي بنية الشفاء، أريد أن أؤجر دائماً وأن يأكل من طعامي الأبرار."
كان لتلك الكلمات وقع كبير علي، جعلت من زبدية الشوربة تلك طعاماً مميزاً. استشعرت في كل لقمة بُعداً غريباً سائغاً و "مريحاً". وبقيت كلمات الجدة في بالي كلما حضرت طعاماً لعائلتي.




الاستعداد لمعرض الكتاب


حماس سنوي يرافق تعليق اليافطات واللوحات التي تعلن عن معرض عمان الدولي للكتاب. فعالية ثقافية سنوية ينتظرها الكثيرون ويشارك فيها دور نشر وكتاب وشعراء ويرتادوها محبو الثقافة والقراءة. بالطبع ليست فعالية شرائية بحتة، فالمعرض سيوفر مساحة عامة للكثير من أطياف المجتمع على اختلاف اهتماماتهم وتوجهاتهم وشرائحهم العمرية. ستكون فرصة جميلة لتصفّح عشرات (مئات؟) الكتب، وسماع مناقشات عرضية من هنا وهناك عن مختلف الموضوعات، ندوات وأمسيات شعرية، ورؤية آخر الإصدارات والمنشورات لمن نميل إليهم من كتّاب ومفكرين وروائيين.



لكني أعترف؛ يعتمر في داخلي مشاعر متضاربة عند مطالعة اللوحات الإعلانية لمعرض الكتاب السنوي في شوارع المدينة. مزيج من الحماسة والترقب الحذر، يرافقه صوت داخلي يذكرني بالكتب المكدسة في غرفتي، والمصفوفة على الأرفف أو بجوار السرير والتي تنتظر مني الانتهاء من قراءتها وحتى في بعض الحالات البدء فيها. منظر الكتب المركونة جميل بلا شك لكن فيه شيء من العتاب؛ تذكير دائم بالشعور بالتقصير، بالأولويات المشتتة والأموال المبددة.

























في نفس الوقت هناك جاذبية غامضة للكتب المطبوعة حديثاً بأغلفتها اللامعة ورائحة الورق الطازج والتي تجعل من مقاومة شراء الكتب على اختلاف أنواعها أمر صعباً يحتاج إلى إرادة قوية وضبط للنفس. كما قال شوبنهاور: "سيكون من الجيد شراء الكتب فقط إن تمكنا من شراء الوقت الكافي لقراءتها؛ لطالما اختلطت فكرة شراء الكتب مع تحصيل محتواها."

يمكن اعتبار معرض الكتاب تنبيهاً قوياً يوقظنا من الغفلة الثقافية التي نشعر بها بسبب أشباح منتجات الثقافة التي نستهلكها - بدون وعي في كثير من الأحيان - ونستمد منها معلوماتنا وأفكارنا مثل منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي لأشخاص لا نحبهم في الكثير من الحالات، أو فيديوهات إخبارية متبوعة بطرائف وغرائب وتجارب أداء لهواة في روسيا أو الولايات المتحدة، أوراق مصورة، جرائد إعلانية، أو رسائل محولة على مجموعة العائلة في تطبيق الواتساب..
تلك أوقات ضائعة يمكن إعادة توجيهها بتنظيم قائمة قراءة سنوية (حتى معرض الكتاب الثاني..؟ ربما؟) فيها كل ما أجلنا قراءته، أو ادعينا معرفتنا بمؤلفه أو رغبنا بالتأكد من كل الاقتباسات المنسوبة إليه.

لذلك قمت ببحث صغير، قرأت فيه تدوينات لنصائح قبل الذهاب لمعرض الكتاب، وحضرت بعض مقاطع الفيديو (لم أكمل معظمها بصراحة لأنها كانت مملة ومحتواها متعارض أو غير جذاب)، وحاولت سؤال من حولي من القراء ممن يحبون الكتب ومعارضها ويحرصون على ارتيادها، وخرجت بالنصائح التالية:

التخطيط أو العفوية؟

قبل الذهاب إلى المعرض، ينصح بالنظر في جدول الفعاليات في حال وجود فعاليات يرغب المرء بحضورها. مثالياً؛ سيكون هناك قائمة معدة بعناية لكتب قُرأت مراجعاتها على موقع الجودريدز أو كتب مقررة في نادي قراءة منظم للغاية، أو باتباع قائمة قراءة أحد العلماء أو المفكرين أو تلك التي تحتوي اقتراحات على غرار "١٠٠ كتاب عليك أن تقرأها قبل أن تموت". يمكن التقييد بتلك القوائم، مع مرونة لشراء كتاب أخرى من خارج القائمة إن كانت تبدو قيّمة أو مثيرة للاهتمام. 

في المقابل، الذهاب بقلب مفتوح ودون أي قوائم مسبقة للاستمتاع بتصفح الكتب واستكشاف موضوعات مختلفة، لكن تذكر أن تكون صادقاً مع نفسك  ومتأكداً من أنك ستقوم حقاً بقراءة الكتاب، حتى لا يتملّكك الشعور بالندم عند مجيء موعد معرض الكتاب التالي.


الوصول إلى المعرض

قد يشكل الوصول إلى المعرض تحدياً بالنسبة للكثيرين، لذلك يمكن الاعتماد إما على خيار المواصلات المعلت عنه على صفحة المعرض، أو الذهاب بالمركبات الشخصية أو العائلية، أو الاستعانة بأحد الأصدقاء ممن لديهم مركبات خاصة. 
يميل البعض للذهاب في أنشطة من هذا النوع بمفردهم، لحاجتهم إلى التركيز في اختيار الكتب وعدم رغبتهم بالتقيد بمواعيد مع أحد. لكن الذهاب في مجموعة، بالإضافة إلى أنه يؤمّن المواصلات، وصديق للبيئة، فهو تجربة لطيفة، وفرصة للاتفاق على شراء كتب وتبادلها لاحقاً، أو الاستعانة بنصائح أو معلومات عن الكتب والمؤلفين من أفراد المجموعة.

استغلال المعرض لأهداف متعددة
نظراً لأن البلد فقيرة بالمساحات العامة وفعالياتها محدودة إلى حد ما، فعلى الأغلب ستكون زيارة المعرض نشاطاً رائجاً وسيقبل عليه سكان المدينة ومن حولها، لذلك من المتوقع مصادفة الكثير من المعارف. قد يكونون زملاء في عمل سابق، أو أقرباء من الدرجة الثانية، أو أصدقاء قدامى تقطعت بينهم السبل.من الأجدى إلقاء التحية عليهم وعدم التظاهر بعدم رؤيتهم فلقاءات سريعة من هذا النوع قد تعني الكثير لمن حولنا وقد تضفي لمحة ودية على التجربة ككل. 

كما يمكن لمعرض الكتاب أن يكون فرصة للخروج وقضاء بعض الوقت النوعي مع أفراد العائلة الذين لا يتم الخروج معهم بكثرة في الأيام العادية، كمرافقة أحد الوالدين أو اصطحاب أطفال العائلة. من الملفت كثافة وجود الآباء مع أحد أبنائهم الشباب أو بناتهم اليافعات في معارض الكتاب. وهو أمر طبيعي ومحبب بالطبع لكننا لا نراه بنفس الكثافة في أماكن عامة أخرى. وهو الأمر الذي أكدّت عليه الكثير من صديقاتي حيث عبّرن أن الذهاب لمعرض الكتاب أحد الأنشطة القليلة المشتركة التي يقمن بها مع آبائهن منذ الطفولة. لذلك فالمحافظة على طقس عائلي أو استحداث واحد هذا العام، قد يكون فكرة جيدة. 

الميزانية

 إحدى أبرز المحددات التي تعيق شراء العديد من الكتب التي تبدو شيقة، أو التي كُتبت ملخصاتها على الغلاف الخلفي ببراعة بحيث توحي بأنها جد شيقة، هي النقود. سيكون هناك العديد من الخيارات والأغلفة الجذابة والأسماء الرنانة للكتاب لذلك يمكن إلقاء نظرة شاملة أولاً على أكبر عدد ممكن من الأجنحة وعمل تصفيات ذهنية ثم الرجوع للكتب التي بقيت بعد الغربلة. كما يمكن الذهاب أيضاً إلى أجنحة تشعرك بالقوة الشرائية على غرار جناح وزارة الثقافة والذي يحتوي كل عام على إصدارات "مكتبة الأسرة الأردنية" والتي تباع بأسعار رمزية. والنصيحة الأخيرة للتأقلم مع ضيق ذات اليد، هي استحداث قائمة موازية سواء بكتابتها يدوياً أو إلكترونياً أو حتى التقاط صور لأغلفة الكتب التي لم يُتمكن من شرائها بعض النظر عن الأسباب، وذلك لمتابعة قراءتها سواء باستعارتها من الأصدقاء ممن يمتلكون نسخاً منها، أو استعارتها من المكتبات العامة، أو حتى الاستماع لتسجيلات صوتية منها.


 في المعرض

 يمكن تقسيم الزيارة إلى شوطين أو أكثر حسب الحاجة. وأخذ استراحات سواء بالتوقف لتناول شيء خفيف أو احتساء القهوة في حال توفر أماكن لبيع الوجبات الخفيفة والتي غالباً ما تكون قريبة من البوابة الرئيسية. كما أنه من الضروري أن نتذكر ارتداء حذاء مريح وأخذ حقيبة كبيرة أو أكياس قماشية للاستغناء عن الأكياس البلاستيكية وتخفيف الأعباء البيئية.
الصورة: في طاولة لعشرة

* نُشر المقال بعد التحرير على موقع حبر

نصائح لاختيار كتب الأطفال المناسبة

لا شيء يضاهي مطالعة وجوه الأطفال واندهاشهم أثناء قراءة كتاب لهم وسرد القصص عليهم. الوضعية الكلاسيكية الرومانسية للطفل أو الطفلة جالسين على حضن أحد الوالدين أو الأقارب محاطين بذراعيهم بما يشبه العناق وأمام الاثنين كتاب ملوّن مفتوح. يسند الأطفال رؤوسهم باستسلام على عنق القارىء أو القارئة والذين بدورهم يغتنمون الفرصة ويلصقون وجوههم على خدود الأطفال الناعمة في لحظة سلام - قد تكون نادرة - بعد يومٍ صاخب مليء بالشقاوة واللعب.

ما هو لون الحب - فاطمة شرف الدين


للوصول إلى هذه الغاية النبيلة من قضاء وقتٍ نوعيّ مع الأطفال وفي نفس الوقت تنمية مهاراتهم في القراءة وتحفيز مخيلتهم وتطوير حصيلتهم اللغوية، والأهم من ذلك كله جذب انتباههم في زمن تكثر فيه المشتتات للكبار والصغار؛ لا بد من اختيار كتاب الأطفال المثالي.

معرض عمان الدولي للكتاب على الأبواب، وعلى الرغم من أن وجود العديد من دور النشر المشاركة سيقدم الكثير من الخيارات لكتب الأطفال على اختلاف الأعمار والموضوعات، إلا أنه في نفس الوقت قد يسبب بعض الإرباك والحيرة أثناء القيام بعمليات الشراء.اختيار الكتاب المناسب لعمر الطفل أو الطفلة، بما يتناسب مع ميزانية الأهل بحيث يكون مثالياً وليس سهلاً جداً أو معقداً جداً أو مملاً بالنسبة للأطفال المعنيين، كلها تحديات يواجهها الأهل في معارض الكتاب ومتاجر بيع الكتب.

كتاب دجاجة أم بيضة برزميسلاو وشتيروفيتش

قد يقوم البعض بشراء الكتب عامة، وكتب الأطفال خاصة بطريقة عفوية، وذلك بالذهاب إلى مكان بيع الكتب وتصفحها وشراء ما يجدونه مثيراً للاهتمام. وهناك نوع آخر من التسوّق المخطط له مسبقاً والذي نرى فيه رواد المعارض والمكتبات وبأيديهم قوائم لكتب معينة يبحثون عنها. إذا كنتم تميلون للنوع الثاني من التسوق يمكنكم أخذ الأمور التالية بعين الاعتبار أثناء تطويركم لقائمة الكتب التي تريدونها لأطفالكم:


نوع الكتاب
- الكتب التعليمية: غالباً ما تكون للأعمار الصغيرة حتى سن الثالثة (وفي بعض التصنيفات حتى الخامسة)، والتي تكون مصورة وتحتوي على كلمات بسيطة وتركيزها الأكبر على الألوان والأرقام والأحرف والأمور الحياتية البسيطة. ونظراً لصغر عمر الأطفال، يفضل اختيار كتب ومصادر ذات مقاومة عالية ولا تتمزق بسهولة، حتى أن بعض دور النشر أصبحت توفر كتب مضادة للماء! لكن الكرتون المقوى قد يفي بالغرض.

- قصص كلاسيكية من الأدب العالمي: مثل ليلى والذئب، واللفتة الكبيرة، وسام والفاصولياء وغيرها من سلسلة القصص المحبوبة التي نشأ عليها أطفال الثمانينات والتسعينات والتي يتم إصدار طبعات حديثة منها دائماً.

- قصة بعبرة معينة أو درس تربوي: توفر كتب الأطفال طريقة تربوية لطيفة لتعليم الأطفال دروساً معينة مثل غرس صفات وأخلاق حميدة كالمشاركة أو أهمية الشكر أو الاعتذار عند القيام بتصرف خاطئ، أو تصحيح ممارسات خاطئة مثل الغيرة أو الشجار مع الأشقاء أو عدم تناول الطعام  أو التعامل مع الاختلاف. وحتى التعامل مع أكثر المشاكل العائلية تعقيداً كفقد أحد الوالدين أو طلاقهم، أو إصابة الأجداد بالزهايمر.

كتاب البطيخة - تغريد النجار
تُجمع الكثير من الأمهات أن الأساليب غير المباشرة في التوجيه والتربية تكون أكثر فعالية، ومنها قراءة كتب الأطفال وإيصال الرسائل التربوية من خلالها. حتى وإن بدت غير حافلة بالأحداث وقائمة على السرد فقط، فإن الأطفال سيتفاعلون مع أبطال القصة والذين يتخلّقون بأخلاق حميدة أو يتصرفون بشكل جيد خصوصاً إن كانوا يشبهونهم أو في مرحلة عمرية قريبة. لذلك ومع وفرة الخيارات المتاحة يمكن إيجاد الكثير من القصص التي تحتوي على كثير من الأمور التي تواجه العائلات على اختلافها وتنوعها.

- كتب ممتعة لتنمية الخيال
الكتب النموذجية يمكن أن تجمع بين رسومات جذابة وكلمات ذات إيقاع لطيف وتكون تعليمية أو تربوية في ذات الوقت. من النصائح المهمة عند اختيار الكتاب وخصوصاً للأعمار الصغيرة والتي تحتاج إلى مساعدة أحد البالغين للقراءة هي اختيار كتاب ممتع للطرفين. لذلك يفضل أن يحب الأهل الكتاب المختار لأنهم هم من سيقومون بقراءته وسرد القصة وتقليد الأصوات، خصوصاً وأنه نشاط مشترك مع الأطفال وغالباً ما يتّسم بالتكرار لحب الأطفال قراءة كتبهم المفضلة بشكل متكرر، فمن الأجدى أن تكون التجربة ممتعة للجميع.

كتاب الألوان الأسود - منينا كوتن 

كتاب عن الألوان مكتوب بالأبيض والأسود وبلغة بريل للمكفوفين

مع وجود أشكال ناتئة للعناصر المذكورة بالكتاب يمكن لمسها

تقييم كتب الأطفال 
بعد أن عرف الأهل ما الذي يبحثون عنه، يستطيعون تصفح الكتب وقراءتها قبل شراءها في نقطة البيع. كما يمكنهم أيضاً الاستزادة إلكترونياً سواءً بالإطلاع على كتب الأطفال الأكثر مبيعاً، وقراءة مراجعات أو تقييمات للكتب، أو سؤال أمهات وآباء ممن لديهم أطفال في أعمار متقاربة من أعمار الأطفال المراد شراء كتب لهم.
على الرغم من أن الكتب الأوسع انتشاراً أو صاحبة الاقتباسات الأكثر تداولاً في منصات التواصل الاجتماعي لا تكون قيّمة بالضرورة بالنسبة لكتب البالغين، إلا أن قوائم مماثلة لكتب الأطفال تكون مؤشراً جيداً على نجاح الكتاب. والمؤشرات ذات الصلة التي يمكن تتبعها للحصول على المزيد من الخيارات هي: اسم المؤلف/المؤلفة، دار النشر، والرسامين والرسامات.

هناك تصنيفات أخرى مساعدة والتي تتبناها الكثير من دور النشر العربية مثل "تصنيف عربي ٢١" والذي يمكن إيجاد رموزه على الكثير من كتب الأطفال. يساعد هذا التصنيف لكتب الأطفال العربية على اختيار الكتاب المناسب بما يتماشى مع عمر الأطفال آخذاً بعين الاعتبار معايير مثل اختيار الكلمات وعددها في الصفحة، وفصاحة اللغة، التكرار، وجود الرمزية، وإخراج الكتاب من حيث الرسومات وحجم الخط.
يمكن الاطلاع أيضاً على تصنيف مستوى كتاب معين من خلال الموقع الالكتروني والذي يضم ٤٣٢٨ كتاباً مصنفاً للأطفال والناشئة العرب.

اختبار الأصابع الخمسة
في حال عدم التأكد من أن الكتاب مناسب لمستوى الأطفال (خصوصاً بين سن الخامسة والثانية عشر)، يمكن تطبيق اختبار الأصابع الخمسة مع الطفل أو الطفلة باتباع الخطوات التالية:
١- اختيار صفحة عشوائية من الكتاب المراد تقييمه
٢- قراءة الصفحة بصوت عالٍ مع الطفل/ة
٣- عدّ على الأصابع الكلمات التي لم يعرفها، يفهمها أو يتمكن من قراءتها
٤- إن كانت الكلمات بين ٢-٣ : يمكن اعتبار الكتاب مقبولاً لأنه سيعلم الأطفال وسيزيد من حصيلتهم اللغوية، أما إن كان عدد الكلمات التي وجدها الطفل/ة صعبة ٥ فأكثر فهذا يعني أن على الطفل/ة البحث عن كتاب بلغة أبسط.

نصائح أخيرة خاصة بمعارض الكتب
- معارض الكتب فرصة جيدة لوجود تنوع هائل واشتراكات من دور نشر قد لا تتوافر إصداراتها دائماً في الأسواق، لذلك فهي وقت جيد لشراء هدايا لأطفال العائلة والأصدقاء ومن اللطيف كتابة إهداء لهم على الصفحة الأولى من الكتاب.
- يمكن إضفاء مسحة شخصية مميزة على الكتاب في حال شراءه من معارض الكتاب والتي يكون فيها المؤلفين والمؤلفات لتوقيع كتبهم أو بعد الاشتراك في فعالية من فعاليات القراءة الجماعية للأطفال.
- على الرغم من كون كتب الأطفال استثماراً جيداً، إلا أن التفاوت في الأسعار قد يشكل عبءاً على ميزانية العائلة ويحول دون شراء العديد منها. لذلك فإن مشاركة الكتب فكرة جيدة، ومن المجدي تنسيق الكتب المنوي شراؤها مع الأهل والأصدقاء لتفادي التكرار.


* تم نشر هذا المقال (بعد التحرير) على موقع حبر في ٢٥ أيلول ٢٠١٨ بعنوان "في معرض الكتاب، كيف أشتري كتاباً لطفلي؟"
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...