‏إظهار الرسائل ذات التسميات بعد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بعد. إظهار كافة الرسائل

آيشتات - الحلقة الأولى


بعد كل هذا الغياب، أعتقد أن من واجب تدوينة اليوم أن تكون مميزة، وبالفعل أعتقد أنها مختلفة لعدة أسباب؛ ربما لآنها من بلد آخر، ومن قارة أخرى، ولن أقول من شخص مختلف فلا أزال نفسي بالطبع، لكن هذه التجربة تظهر جوانب من  شخصيتي لم تكن قد أبصرت النور بعد، فالتجارب - وليس السفر حصراً، أحياناً الارتباط والزواج، أو التغييرات الدراماتيكية أو معاشرة أشخاص جدد - كفيلة بجعلنا نفهم أنفسنا. برأيي نحن لا ننفصم، أو ننافق فنتصرف بشكل ربما يخالف ما كنا نقوله عن أنفسنا إذا وضعنا في موقف من المواقف، إنما يمكن اعتبار تلك التجارب المحك الحقيقي، فالكلام سهل لكن التطبيق تحت الظرف نفسه هو ما يجعلنا نواجه حقيقة أنفسنا التي تفاجئنا سلباً أحياناً وإيجاباً في أحيان كثيرة أخرى. 
أدون اليوم - وفي الفترة القريبة القادمة بإذن الله - من الجنوب الألماني، من بلدة بافارية تدعى “آيشتات”. قرية صغيرة وادعة وهادئة مليئة بالعجائز والدراجات الهوائية.


سأكون هناك لمدة ثلاثة أشهر كجزء من برنامج تبادل ثقافي بين دول العالم الإسلامي وألمانيا، وأنا ذاهبة بالإضافة للخلفية الثقافية التي أتيت منها، بصفة مهنية أيضاً  كوني أعمل في منظمة إنسانية تعنى باللاجئين ببلدي الأم (“بلدي الأم....”  :) الآن وأنا أكتبها شعرت كم هي حميمة هذه الكلمات).  فأنا متدربة أو بشكل أدق كما يصر زميلي المشرف “موظفة مساندة مؤقتة” في منظمة “كاريتاس” والتي تعنى باللاجئين أيضاً.
من سياسة الحكومة الألمانية الحالية دمج اللاجئين في جميع أنحاء ألمانيا، فربما وجود جنسيات متعددة مألوف في المدن الكبرى التي تجذب المهاجرين، لكن وجود امرأة محجبة تقطع الشارع أو شاب إفريقي بشعر أسود كثيف مجعد في طابور في أحد مراكز التسوق لا يزال مدعاة للتحديق في القرى والمدن الصغيرة في الريف. 

تقوم الحكومة الألمانية باستئجار منازل في وسط الأحياء الألمانية الكبيرة والصغيرة، الغنية ومتوسطة الدخل، القريبة والبعيدة، في كل مكان! وتعطيها لعدد من عائلات اللاجئين التي تتشارك في المسكن. لكل عائلة غرفة خاصة بها يتناسب حجم الغرفة مع عدد أفراد العائلة لكن المطبخ والمعيشة وأحياناً الحمام مشتركة. اللاجئين من عدة بلدان أبرزها: نيجيريا، أرتيريا، سيراليون، أفغانستان، باكستان، العراق وسوريا.  لكل عائلة مخصصات شهرية لحين إصدار الإقامة التي بموجبها يستطيع اللاجئون العمل، وبالطبع هناك تشجيع كبير جداً على تعلم اللغة الألمانية والذهاب لفعاليات ونشاطات ينظمها المتطوعون والتي تهدف إلى الاندماج.

يمكن القول أن عملي هو المشاركة بالزيارات الميدانية لبيوت اللاجئين في القرى الجنوبية للتأكد من صحة أوراقهم وسريانها أو حاجتها للتجديد، والتآكد من أن الأطفال يذهبون إلى المدارس وأن من لديهم احتياجات خاصة يحصلون على الرعاية اللازمة، ومساعدة اللاجئين في إجراءات “لم الشمل” أي احضار الأقارب من الدرجة الأولى لألمانيا. لكن بالطبع كل تلك الإجراءات ليست سهلة وسلسة فيه تتطلب الكثير من العمل المكتبي والبيروقراطية الألمانية المشهورة بالوقت والجهد اللازم لمثل تلك العمليات. فزميلي المشرف يقوم بمساعدة اللاجئين على إنجازها تلك الاجراءات ومتابعتها خصوصاً مع وجود عائق اللغة الألمانية في المخاطبات الرسمية بين الطرفين. بما أن لدي معرفة بقوانين اللجوء الدولية وإلمام بثلاث لغات تعتبر مهمة هذه الفترة في ألمانيا وهي العربية والتركية والإنجليزية فأستطيع أن أساعد الحمد لله، ففي الفترة الأولى الحالية تنحصر مساعدتي بأمور مكتبية بسيطة وبالترجمة.


أتمنى أن تكون هذه التجربة ناجحة وغنية، أعتقد أن لدي الكثير لأشاركه مستقبلاً بخصوص الغربة والحنين إلى الوطن، ملاحظاتي الذهنية للمشاهدات الغريبة التي أراها في الحياة اليومية ، موضوع الطعام الحلال والخيارات النباتية و”الصحصحة” الدائمة والبحث عن البدائل، بالإضافة إلى مفاهيم كالاستقلالية والاعتماد على النفس وغيرها التي تأخذ بُعداً جديداً هذه الأيام. وبما أن للمدونة عمق بصري؛ آمل أن تسنح الفرصة بمشاركة لقطات جميلة من هنا وهناك.


Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...