هناك إجماع واسع على فقر عمّان وباقي محافظات الأردن عموماً بالمرافق والمساحات العامة. لذلك ومع حملة إعلامية تصل الجرائد واللوحات الإعلانية ومواقع التواصل الإجتماعي نجد إقبالاً كثيفاً وحضوراً لافتاً على الفعاليات الموسمية والمهرجانات. يكون رواد تلك الأنشطة متأمّلين بتجربة عائلية لطيفة، أو نشاط جماعي يكسر الروتين ويكون بعيداً قدر الإمكان عن استهلاكية فجّة تتمحور حول ثقافة الجلوس في المطاعم والمقاهي والمراكز التجارية.
يفترض بفعاليات من هذا النوع أن تكون أليفة وجامعة لأطياف متنوعة من المجتمع المحلي وفرصة التقاء لعوالم مختلفة لا تحتكّ أبداً لعدم وجود حدٍ أدنى من الحضرية أو الحياة المدنية بحكم غياب نظام مواصلات عامة محترم ومرافق وميادين وحدائق. لهذا نعوّل على فعاليات من هذا النوع أن تكون مرحبة بالجميع على اختلاف مستويات الدخل، أو الفئات العمرية، وأن تشكل أماكن مريحة لكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، وربات البيوت وطلاب الجامعة وغيرهم من مكونات المجتمع المرئية وغير المرئية في المشهد اليومي.
وجاء "أسبوع الأكل الأردني" ليكون خيبة أمل أخرى لمجتمع منهك ومتخم بالضربات والخيبات.
تطالعك في البداية جموع الناس وتشعر بالتفاؤل عند رؤية الإقبال، تصطف للتفتيش الأمني (الشكلي؟ غير الضروري؟) وتستشعر أولى علامات
الإقصائية عند حاجز "الدخولية" أو تذكرة الدخول.
إذا كنت سأدخل ل
شراء منتجات وأطعمة ومشروبات، لماذا علي دفع دينارين عن كل شخص؟
تماماً كطلب أجرة دخول على باب "المول" أو بشكل أدق لدخول "ساحة المطاعم".
أم أن هذا تكتيك مقصود لمنع جمهور معين من الدخول؟ وبشكل أكثر صراحة و "بالمشرمحي" من دخول سكان منطقة راس العين وحي المهاجرين والجبال القريبة؟
بالطبع فدفع دينارين عن كل شخص لعائلة مكونة من ٥ أو ٦ أشخاص بداية غير مبشرة، ١٠ دنانير "ولا فتّينا ولا غمّسنا".
وضع شاب ضخم سواراً ورقياً على أيدينا يؤكد دفعنا للدخولية وأنا قلت في نفسي "أول الرقص حنجلة".
أخذنا لفة في المكان المزدحم بالمارة والمشاركين على حد سواء على أنغام موسيقى "الروك" التي - أكاد أجزم - أنها لا توافق ذوق ٧٠٪ من الحضور على أقل تقدير. كما هو متوقع ضمّ المكان مطاعم مشهورة ومقاهٍ محلية وعلامات تجارية ناشئة. وجود خجول للمحافظات انحصر بمكبوسات وزيتون وجميد ومنتجات ألبان. لم أرَ مكمورة إلا كصورة ديكور، لا أقراص ولا خبز طابون ولا ما يحزنون، بالكاد عثرنا على مكان يقدم لزاقيات.
وبما أن كل الفكرة دعم المحلي، والتواصل مع موروثنا، وقفنا لاستطلاع الخيارات أمام محل تعمل فيه فتاة سمراء توحي ابتسامتها ولهجتها أنها من خارج عمان، لكن من تلقّفنا مباشرة كان شقراء اكتسب جلدها سمرة برونزية محمرة بسبب سباحة وتشمس حديثين، تتحدث بصوتٍ ثابت وصارم عن لائحة الطعام ومكونات كل صنف.
طلبنا لزاقيات بالحلاوة. بدأت الفتاة السمراء بإعداد الحلوى و وضعت وهي منهمكة سمناً بلدياً، نهرتها الشقراء وقالت بنبرة غير ودودة "حلاوة حلاوة مش سمنة وسكر" فتدخلنا ونحن نشاهد الذعر يتسلل إلى عيني الطاهية أنه لا مشكلة من المكون الإضافي.
وُضِعت الحلوى بطبق بلاستيكي كبير وغطاء بلاستيكي امتنعنا عن أخذه هو والشوكة والسكين البلاستيكية والمغلفة بالبلاستيك؛ أعباء بيئية ونفايات لا طائل منها.
قلنا للشقراء لا نحتاج للشوكة والسكين سنأكلها بأيدينا وأضاء وجه الفتاة السمراء بابتسامة انتصار صغيرة وقالت بانتشاء وثقة طارئة: "أصلاً ببتاكل بالإيد".
مشينا أكثر لنرى شباب وشابات يرتدون قمصان بيضاء موحدة كتب عليها جهة الظهر بالإنجليزية "Here to Help"، إقصائية أخرى للغة الرسمية في البلاد، ولمن بينه وبين الإنجليزية حاجز. لماذا؟ هل تبدو "كيف يمكنني مساعدتك" أو "هنا لمساعدتك" عبارة رجعية أو متخلفة؟
والحديث يطول عن آليات التسعير المجحفة. لا أدري إن كان المشاركون "مدعومون" وأنهم تلقّوا دعوة لعرض منتجاتهم، أم أنهم دفعوا للجهات المنظمة ولأمانة عمان - مع أني أستبعد لأني شعرت بالغثيان من كثافة وجود شعار وكالة التطوير الأمريكية التي تتبجح بوجودها / تنظيمها / تمويلها ...؟ الله أعلم ما دور الوكالة أصلاً في كل الميمعة "المحلية". المهم، إليكم أعزائي القراء فكرة عن أسعار المنتجات:
كوب بوظة صغير- ٤ دنانير
كوب قهوة مثلجة - ٤ دنانير
١٠٠ غرام توفي - ٦ دنانير
شطيرة برغر وبطاطا مقلية - ٨ دنانير
كتاب (بالانجليزية) عن "تمكين" النساء بالطبخ (؟٪#!) - ٢٥ ديناراً.
أعطي الفعالية ٣ من ١٠، فقد شعرت وكأني خدعت وانتهى بي المطاف بالقيام بنشاط استهلاكي آخر مقتصر على طبقة معينة لا تعنني بصراحة. فعالية زادت الشروخ في مجتمعٍ ليس بحاجة لأية خدوش إضافية. كما قال
ربيع زريقات في
منشور حديث له على الفيسبوك: "في حال الدخول على
الموقع الإلكتروني للفعالية ستجدون "عمان الشرقية" ضمن قائمة المحافظات مع الكرك ومعان والعقبة... على اعتبار أن "عمان الشرقية" محافظة بذاتها مسلوخة عن العاصمة بقدرة قادر."
أحسن زريقات في
تقييم الفعالية وأورد إضاءات هامة عن اختزال ثقافة الطعام بدلاً من أن تكون تشاركية وتفاعلية كان فيها شيء من الفوقية والإحسان لسيدات الأردن المشاركات وكأنهن أقل حظاً.
إذا كنت سأختم هذه التدوينة بشيء من الإيجابية (على فرض أني سأعطي الفعالية فرصة ثانية في حال تكررت في الأعوام القادمة) فالتالي توصيات واقتراحات:
١. تصميم الفعالية بشكل يكون أكثر رحابة سواء مادياً بتخصيص مساحة واسعة يتناسب فيها عدد المشاركين مع عدد الحضور ومعنوياً بإلغاء الدخولية والترحاب بالجميع
٢. إشراك عدد أكبر من المشاركين ممن يتماشى منتوجهم مع "أكل الشارع" بإيجاد خيارات تناسب مختلف الشرائح والميزانيات. والخيارات كثيرة: كالكعك والبيض، الفلافل، سندويشات لبنة ومكدوس وحواضر، وكرابيج حلب وغيرها من الحلويات الشرقية.
٤. إتاحة أنشطة تفاعلية يقوم بها الناس بالطهي سوية أو تعلم عمل وجبة تقليدية وتناولها بشكل جماعي
٣. مراعاة البعد البيئي (ولا الجهات المانحة شغل تنظير وبس؟) : معظم المأكولات تقدم لتؤكل مباشرة، لذلك إما التفكير بتقديم المأكولات بالحد الأدنى من المخلفات أو يمكن الاعتماد على الأطباق الورقية مع إيجاد أماكن مخصصة لإعادة تدوير البلاستيك والعلب المعدنية.
٥. تخصيص أماكن أكثر للجلوس وتناول الطعام، واعتماد موائد كبيرة طولية تشاركية تتيح حتى للغرباء الجلوس سوياً.
٤. تخصيص مكان للصلاة - للأقلية المسلمة على الأقل (!)