‏إظهار الرسائل ذات التسميات في عمان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات في عمان. إظهار كافة الرسائل

موسم العناقيد الليلكية


تردد كثيراً في الآونة الأخيرة أن ربيع هذا العام مميز. الحمد لله، كانت أمطاره وفيرة ودرجات الحرارة لا تزال أقل من معدلاتها السنوية. وبسبب تلك الظروف المتعلقة بالحرارة وتوافر المياه؛ فإن النباتات تتأثر بشكل مباشر. ولذلك فقد كان الغطاء النباتي من الأعشاب والأزهار البرية متنوعاً ودام أطول من المعتاد.

وقد تكون برودة هذا الشتاء ساهمت في أداء لافت لشجيرات الويستريا المزهرة. أراقبها في كل عام، لكنها فعلاً مميزة هذا الموسم. كثيفة وغنية ومتدلية في كل مكان!

الآتي صور التقطتها خلال الأسبوع الماضي من أحياء مختلفة في مدينة عمان:










أسبوع الأكل الأردني - خيبة أمل أخرى


هناك إجماع واسع على فقر عمّان وباقي محافظات الأردن عموماً بالمرافق والمساحات العامة. لذلك ومع حملة إعلامية تصل الجرائد واللوحات الإعلانية ومواقع التواصل الإجتماعي نجد إقبالاً كثيفاً وحضوراً لافتاً على الفعاليات الموسمية والمهرجانات. يكون رواد تلك الأنشطة متأمّلين بتجربة عائلية لطيفة، أو نشاط جماعي يكسر الروتين ويكون بعيداً قدر الإمكان عن استهلاكية فجّة تتمحور حول ثقافة الجلوس في المطاعم والمقاهي والمراكز التجارية.

يفترض بفعاليات من هذا النوع أن تكون أليفة وجامعة لأطياف متنوعة من المجتمع المحلي وفرصة التقاء لعوالم مختلفة لا تحتكّ أبداً لعدم وجود حدٍ أدنى من الحضرية أو الحياة المدنية بحكم غياب نظام مواصلات عامة محترم ومرافق وميادين وحدائق. لهذا نعوّل على فعاليات من هذا النوع أن تكون مرحبة بالجميع على اختلاف مستويات الدخل، أو الفئات العمرية، وأن تشكل أماكن مريحة لكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، وربات البيوت وطلاب الجامعة وغيرهم من مكونات المجتمع المرئية وغير المرئية في المشهد اليومي.

وجاء "أسبوع الأكل الأردني" ليكون خيبة أمل أخرى لمجتمع منهك ومتخم بالضربات والخيبات.


تطالعك في البداية جموع الناس وتشعر بالتفاؤل عند رؤية الإقبال، تصطف للتفتيش الأمني (الشكلي؟ غير الضروري؟) وتستشعر أولى علامات الإقصائية عند حاجز "الدخولية" أو تذكرة الدخول.

إذا كنت سأدخل ل شراء منتجات وأطعمة ومشروبات، لماذا علي دفع دينارين عن كل شخص؟
تماماً كطلب أجرة دخول على باب "المول" أو بشكل أدق لدخول "ساحة المطاعم".

أم أن هذا تكتيك مقصود لمنع جمهور معين من الدخول؟ وبشكل أكثر صراحة و "بالمشرمحي" من دخول سكان منطقة راس العين وحي المهاجرين والجبال القريبة؟
بالطبع فدفع دينارين عن كل شخص لعائلة مكونة من ٥ أو ٦ أشخاص بداية غير مبشرة، ١٠ دنانير "ولا فتّينا ولا غمّسنا".
وضع شاب ضخم سواراً ورقياً على أيدينا يؤكد دفعنا للدخولية وأنا قلت في نفسي "أول الرقص حنجلة".

أخذنا لفة في المكان المزدحم بالمارة والمشاركين على حد سواء على أنغام موسيقى "الروك" التي - أكاد أجزم - أنها لا توافق ذوق ٧٠٪ من الحضور على أقل تقدير. كما هو متوقع ضمّ المكان مطاعم مشهورة ومقاهٍ محلية وعلامات تجارية ناشئة. وجود خجول للمحافظات انحصر بمكبوسات وزيتون وجميد ومنتجات ألبان. لم أرَ مكمورة إلا كصورة ديكور، لا أقراص ولا خبز طابون ولا ما يحزنون، بالكاد عثرنا على مكان يقدم لزاقيات.


وبما أن كل الفكرة دعم المحلي، والتواصل مع موروثنا، وقفنا لاستطلاع الخيارات أمام محل تعمل فيه فتاة سمراء توحي ابتسامتها ولهجتها أنها من خارج عمان، لكن من تلقّفنا مباشرة كان شقراء اكتسب جلدها سمرة برونزية محمرة بسبب سباحة وتشمس حديثين، تتحدث بصوتٍ ثابت وصارم عن لائحة الطعام ومكونات كل صنف.
طلبنا لزاقيات بالحلاوة. بدأت الفتاة السمراء بإعداد الحلوى و وضعت وهي منهمكة سمناً بلدياً، نهرتها الشقراء وقالت بنبرة غير ودودة "حلاوة حلاوة مش سمنة وسكر" فتدخلنا ونحن نشاهد الذعر يتسلل إلى عيني الطاهية أنه لا مشكلة من المكون الإضافي.
وُضِعت الحلوى بطبق بلاستيكي كبير وغطاء بلاستيكي امتنعنا عن أخذه هو والشوكة والسكين البلاستيكية والمغلفة بالبلاستيك؛ أعباء بيئية ونفايات لا طائل منها.
قلنا للشقراء لا نحتاج للشوكة والسكين سنأكلها بأيدينا وأضاء وجه الفتاة السمراء بابتسامة انتصار صغيرة وقالت بانتشاء وثقة طارئة: "أصلاً ببتاكل بالإيد".


مشينا أكثر لنرى شباب وشابات يرتدون قمصان بيضاء موحدة كتب عليها جهة الظهر بالإنجليزية "Here to Help"، إقصائية أخرى للغة الرسمية في البلاد، ولمن بينه وبين الإنجليزية حاجز. لماذا؟ هل تبدو "كيف يمكنني مساعدتك" أو "هنا لمساعدتك" عبارة رجعية أو متخلفة؟

والحديث يطول عن آليات التسعير المجحفة. لا أدري إن كان المشاركون "مدعومون" وأنهم تلقّوا دعوة لعرض منتجاتهم، أم أنهم دفعوا للجهات المنظمة ولأمانة عمان - مع أني أستبعد لأني شعرت بالغثيان من كثافة وجود شعار وكالة التطوير الأمريكية التي تتبجح بوجودها / تنظيمها / تمويلها ...؟ الله أعلم ما دور الوكالة أصلاً في كل الميمعة "المحلية". المهم، إليكم أعزائي القراء فكرة عن أسعار المنتجات:
كوب بوظة صغير- ٤ دنانير
كوب قهوة مثلجة - ٤ دنانير
١٠٠ غرام توفي - ٦ دنانير
شطيرة برغر وبطاطا مقلية - ٨ دنانير
كتاب (بالانجليزية) عن "تمكين" النساء بالطبخ (؟٪#!) - ٢٥ ديناراً.

أعطي الفعالية ٣ من ١٠، فقد شعرت وكأني خدعت وانتهى بي المطاف بالقيام بنشاط استهلاكي آخر مقتصر على طبقة معينة لا تعنني بصراحة. فعالية زادت الشروخ في مجتمعٍ ليس بحاجة لأية خدوش إضافية. كما قال ربيع زريقات في منشور حديث له على الفيسبوك: "في حال الدخول على الموقع الإلكتروني للفعالية ستجدون "عمان الشرقية" ضمن قائمة المحافظات مع الكرك ومعان والعقبة... على اعتبار أن "عمان الشرقية" محافظة بذاتها مسلوخة عن العاصمة بقدرة قادر."
أحسن زريقات في تقييم الفعالية وأورد إضاءات هامة عن اختزال ثقافة الطعام بدلاً من أن تكون تشاركية وتفاعلية كان فيها شيء من الفوقية والإحسان لسيدات الأردن المشاركات وكأنهن أقل حظاً.

المصدر 

إذا كنت سأختم هذه التدوينة بشيء من الإيجابية (على فرض أني سأعطي الفعالية فرصة ثانية في حال تكررت في الأعوام القادمة) فالتالي توصيات واقتراحات:

١. تصميم الفعالية بشكل يكون أكثر رحابة سواء مادياً بتخصيص مساحة واسعة يتناسب فيها عدد المشاركين مع عدد الحضور ومعنوياً بإلغاء الدخولية والترحاب بالجميع
٢. إشراك عدد أكبر من المشاركين ممن يتماشى منتوجهم مع "أكل الشارع" بإيجاد خيارات تناسب مختلف الشرائح والميزانيات. والخيارات كثيرة: كالكعك والبيض، الفلافل، سندويشات لبنة ومكدوس وحواضر، وكرابيج حلب وغيرها من الحلويات الشرقية.
٤. إتاحة أنشطة تفاعلية يقوم بها الناس بالطهي سوية أو تعلم عمل وجبة تقليدية وتناولها بشكل جماعي
٣. مراعاة البعد البيئي (ولا الجهات المانحة شغل تنظير وبس؟) : معظم المأكولات تقدم لتؤكل مباشرة، لذلك إما التفكير بتقديم المأكولات بالحد الأدنى من المخلفات أو يمكن الاعتماد على الأطباق الورقية مع إيجاد أماكن مخصصة لإعادة تدوير البلاستيك والعلب المعدنية.
٥. تخصيص أماكن أكثر للجلوس وتناول الطعام، واعتماد موائد كبيرة طولية تشاركية تتيح حتى للغرباء الجلوس سوياً.
٤. تخصيص مكان للصلاة - للأقلية المسلمة على الأقل (!)


يوم غائم في اللويبدة


هل تعرفون رواية "يوم غائم في البر الغربي" لمحمد المنسي قنديل؟
قرأتها منذ بضعة سنوات وأكثر ما أعجبني فيها عنوانها. أليس عنواناً موفقاً؟ فيه تمهيد بصري للحكاية يدفعنا للتخيل بمجرد رؤية الغلاف. أتخيل سماءً غائمة ونسمات قوية من الهواء وبحراً وأمواجاً ومشهداً تتفاوت فيه درجات الأزرق والرمادي.
بدون البحر والأمواج، ذكّرني مشوار حديث للويبدة بعنوان تلك الرواية.


لم يكن ذلك اليوم غائماً فقط، بل كان ماطراً أيضاً.
هيبة المطر التي تجعل الدنيا أكثر سكينة، والشوارع أقل ضجيجاً، والأشجار أكثر نظافة وانتعاشاً.



يمكن التغاضي عن مسحة الحزن أو الكآبة التي ترافق الغيمات الرمادية، والتفكير بأهمية المطر في إطالة أمد الربيع والأيام الكثيرة الجافة التي تنتظرنا في الأشهر القادمة.


وتبقى أيام الشتاء المتبقية فرصة لطيفة للكنكنة والقراءة ومعانقة الأكواب الساخنة، والتلذذ بالحلويات المشربة بالقطر والسعرات الحرارية.



عداء الطائرة الورقية - النسخة الأردنية



في مشوار لطيف إلى جبل القلعة نهاية نيسان الماضي، ذهبنا مع ضيوف من خارج الأردن لنريهم عمان بشكل بانورامي من مكان مُطل ومشرف.

تفاجأت بوجود عدد لا بأس به من الفتيان الذين كانوا يلعبون بطائراتهم الورقية والذين كانوا استثناءً لدى رجل الأمن المناوب من أمر "الإخلاء" على حد تعبيره، وهو المغادرة من المكان قبل الساعة السابعة. وإن فكرنا بالموضوع قليلاً فإن الساعة السابعة وقت يشقّ على الزائر المغادرة فيه، فهو يقاوم مشاهدة الغروب يلون المدينة شيئاً فشيئاً، وتعتريه رغبة عارمة في رؤية أضواء المدينة تظهر تدريجياً من نوافذ البيوت والعمارات السكنية التي تكسو الجبال المحيطة عندما يخيم الظلام.
كان "الإخلاء" لا يشمل الفتيان لأنهم أبناء المنطقة ولأن جبل القلعة فعلياً "حارتهم". فبيوتهم قريبة جداً وهو يصعدون بضعة درجات من الجهة الخلفية للحي ويجدون أنفسهم في أحد المعالم السياحية في المدينة. وبحكم ارتفاع المنطقة فإنها تكون مثالية للعب بالطائرات الورقية لوجود رياح مواتية معظم الأحيان. شعرت بافتتان وأنا أراقبهم يلعبون بكل جدية بطائراتهم الملونة التي صنعوها  يدوياً. بعد الحديث معهم، تبين أن هناك "دوري" وسلسلة من المسابقات بينهم حول من يطير طائرته أعلى.



لم تكن كاميرتي معي لذلك التقطت بعض الصور بهاتفي، وفي بالي أن أرجع مع كاميرتي لألتقط صوراً أكثر احترافية لهم. فهم ظاهرة جميلة جداً تستحق التوثيق ومغرية جداً للتصوير، فالمكان الذي يلعبون فيه والتوقيت - الذي يكون عصراً قبل الغروب وهو الوقت المثالي للتصوير - بالإضافة إلى سحر شرائط الطائرات الورقية التي تتراقص مع نسائم الهواء وهي ترتفع بتحدٍ وتختلط في الأفق مع أسراب الحمام، كلها اجتمعت لتصنع مشهداً خلاباً يمكن أن يشكل هوية لمدينة عمان ولأطفالها.

رجعنا الأسبوع الماضي في تجربة طموحة لتوثيق ذكرى ربيعية سابقة على أمل أن نجد كل ما صادفناه المرة الماضية لكن تبين أننا لم نحسبها صح؛ فأصدقاؤنا كانوا يحتفلون باليوم الأول في العطلة الصيفية، ويبدو أنهم أرادوا أن يقضوا وقتهم بنشاط لا يفعلوه دائماً فنزلوا إلى وسط البلد ليشربوا كوكتيل فواكه ويتمشوا هنا وهناك.
ربما شعرنا بشيء من خيبة الأمل، لكن المشوار بحد ذاته غني بكل حال من الأحوال.

رؤية أولئك الأولاد والحديث معهم ذكرني بمقطع الفيديو هذا الذي يقارن بين ألعاب الطفولة في غرب عمان وباقي المحافظات.
لا أدري إن كان انطباعي في محله؛ لكني أرى سعادة أكبر في عيون الأطفال البعيدين عن التكنولوجيا وترف الألعاب الباهظة الثمن، وحتى أن ابتساماتهم أوسع وأصواتهم أقوى ويستطيعون أن يعبروا عن أنفسهم بشكل يبدو أكثر ثقة وتلقائية.
من المحزن أن هناك أعداداً كبيرة - ومتزايدة - من الأطفال الذين ليس لديهم "حارة" ولا يلعبون الألعاب التقليدية ويتفاعلون مع جيرانهم وأقاربهم.
عندما أرى أقاربي الأصغر سناً وأقارن بين طفولتهم وطفولتي أشعر بالأسى. إنه لعار أن يكون هناك جيل كامل من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم من السادسة وحتى الرابعة عشر بأيدي غضّة خالية من أي آثارٍ للعب،ورُكبٍ بدون إصابات أو جروح طفيفة تذكر من انزلاقات عرضية في مبارة كرة قدم أو "زقطة" حامية الوطيس أو لعبة سبع حجار حماسية.






على الرغم من أننا لم نجد أصدقائنا إلا أن زيارتنا كانت موفقة. وكأن جبل القلعة دائماً فكرة جيدة. سيكون هناك دوماً طائرة ورقية - ولو واحدة منفردة في السماء - وسيكون هناك عائلات لطيفة من مختلف الأعمار التي تراقب أسراب الحمام وهي تحتسي الشاي، الأطفال الصغار الذين يركضون جزء لا يتجزأ من المشهد أيضاً، والمراهقين الذين يلتقطون الكثير من الصور في عشرات الوضعيات مع الخلفية الجميلة أو الآثار العريقة سيشجعونكم على الاسترسال في التصوير أيضاً وتجميد ذكرياتكم في صور تأخذونها معكم إلى المستقبل.


أعتقد أنكم ستتمكنون من رؤية ذلك في أي وقت تذهبون فيه.
فللأماكن طاقة، ويمكن استشعار طاقة المكان الايجابية بسهولة.



أليس هناك شيء ساحر في الأماكن المشرفة؟

خميس عمان


قرأت في مكان ما - ربما كتاب "عمان مدينة الحجر والسلام" لمريم عبابسة - جملة لا تزال محفورة في ذاكرتي: "عمان مدينة لم تنل حظها من العشق بعد."
أشفق على عمان حقاً. كيف لا تحظى هذه المدينة الوادعة بحقها من الاحترام. قد تكون يانعة نسبياً، ولا تزال تبحث عن هويتها، لكن فيها سراً يجمع عليه كل من يزورها.

الفقرات التالية كلمات عذبة من المبدع أحمد حسن الزعبي من مقالة "عمان أغنية فيروزية" أجد نفسي أتواصل معها وأنا التي أقضي أيامي في الشمال بين إربد وجرش وأحياناً عجلون وأفرح بقدوم الخميس لأني أعلم أني سأقضي نهاية أسبوعي في مدينتي عمان:

"مساء الخميس، تدهشني في عمان التفاصيل الصغيرة، كتموّج الخرز المرصع في ثوب أميرة .. مع غروب الشمس، تسدل عمان ردنيها على ذراعيها وتستريح .. موظف عائد إلى شقته بيده صحيفة وحلوى للصغار. عامل وطن غسل رأسه ورجليه من "خايبة" قريبة، بائع يانصيب يقطف أوراقه عن نصبة الخشب ليعود إلى بيته البسيط، سائق سرفيس "العبدلي - مجمع الشمال" يصطف أمام بيته في الهاشمي فيستقبله الأولاد بقُبل اليدين والشوق. سيارة "كيا" تحمل الزوجة والأولاد وتتجه إلى نحو الشمال .. تتوقف في جرش، ليحمل الابن العائد كيس رمان وصندوق جوافة إلى الأهل، وأخرى تسبق الريح باتجاه الجنوب تحمل تعب الأسابيع والحنين إلى جلسة ليلة لا تنتهي.


تختبئ الشمس بين أضلع الجبال نابضة بنور يخفق ولا يغيب، لكنها تبقى تلمع في عيون عسكري مجازٍ يركن رأسه على زجاج الحافلة متكئاً على إجازة يومين، في انتظار وجبة غداء أُخّرت لأجله، وتعليلة في بيت "الختيارية" وأخوات قادمات من قرى قريبة، وأولاد كثيرون كلّ يريد حصته من اللعب.. يجلس طالب جامعي قادم من "مؤتة" يحمل في حقيبته "غيارات" بحاجة إلى غسيل، وكتب ثقيلة ودفاتر لن يفتحها طيلة الإجازة.

مساء الخميس تصغر البيوت، فتصبح أضواء فقط. ويصغر التعب ويصبح رعشة استمتاع.


مساء الخميس، تمسح عمان على وجوه العمانين جميعاً بكفّها الأمومي المنجد بالغيم وتتركهم يغفون على ركبتها بتساوٍ ومحبة عادلة."

معنى للحياة أو حياة ذات معنى


أجبرت مرغمةً في الأيام القليلة الماضية على المكوث في المنزل، لأني أصبت - كما العشرات وربما المئات من الأشخاص في هذه الوقت من السنة - بالزكام أو بنزلة بردية أو إنفلونزا .. بغض النظر عن المسمى؛ مرض أقعدني جبراً وسحب مني طاقتي البدنية، وصوتي الطبيعي وساعات نومي المتواصلة في الليل.
إلا أن لهذه الإجازة الطارئة حسنات لا يمكن التغاضي عنها. فقد استطعت إنهاء كتابين أحدهما جميل (ألف شمس مشرقة) والآخر تافه (٣٦٦ لأمير تاج السر)، واسترجعت نمط حياة هادئ ورتيب دون ضغط الوقت والمنبه الصباحي للاستيقاظ ومواعيد اللحاق بحافلة العمل أو أجندة الاجتماعات، واستطعت أن أفكر!
ففي خضم حياتنا اليومية وروتين الأيام المتوالية لا يكون لدينا الوقت الكافي لنفكر! تمر أفكار وتلمع أحياناً لكنها تتلاشى عند أول مقاطعة لزميل يلقي السلام أو اتصال هاتفي أو بريد إلكتروني أو إشعار على الهاتف.
ويبقى السؤال الأزلي السيريالي الوجودي الذي لا ينتهي أبداً: هل هذا ما أريد عمله في حياتي؟ هل أنا على الطريق الصحيح؟ هل الاختيارات التي قمت بها حتى الآن تؤمن لي السعادة؟

لطالما كان لدي صوت خبيث يهمس بشكل خافت عندما تبرق تلك الأسئلة سواء في لحظات صفاء أو عند قمة الانشغال والضغط والضجر بأن لا بأس فهذا أو ذاك "مؤقت". كيف مؤقت لا أعلم؟ وكأن في داخلي دوماً جزءاً ينتظر تغيّراً ما. ما هي طبيعة ذلك التغُّير جد لا أعرف. والمشكلة أن الأيام تمشي وتتوالي، والأسبوع يركل الأسبوع الذي قبله وتمضي الأشهر والسنوات وذاك التغير الجذري الغامض المنتظر لا يأتِ بشكل ملموس.

وصلت للمواجهة: التغيير الرديكالي ليس له وجود.

التغير يزحف، فأنا لست نفس الشخص الذي كنته قبل ٥ سنوات، لا بل أقل؛ قبل سنتين. والشهور التي تتعاقب واحداً تلو الآخر هي من صنعت المكونات الجديدة لشخصيتي، ذوقي الموسيقي الحالي، آرائي في المسائل المختلفة وانطباعاتي وفراستي عمن أقابل من الأشخاص. لم يحصل الأمر بين ليلة وضحاها وإنما نتيجة تراكمات لم أكن واعية لها بشكل يومي.

لذلك إن كنا نرغب في تغيير أي شيء في حياتنا لسنا راضيين عنه، أو نريد ادخال أمر نراه ضرورياً ويحقق لنا شيئاً من السعادة علينا أن نبدأ الآن!

شاهدت مؤخراً - نعم في الإجازة المرضية ما غيرها - فيديو صغير عن خطة ال ٣٠ يوماً. يبدو الأمر بسيطاً وفعّالاً ويستحق التجربة بأي حال من الأحوال.


يااااه كم لدي أمور مؤجلة: أريد أن أمارس الرياضة بشكل دوري، وأن أستعيد شيئاً من مهارتي المتواضعة في الخط والرسم، أريد أن أزور العديد من أقاربي من العائلة الممتدة ومن صديقات جدتي الملهمات لأصورهن وأكتب عنهن. هناك العديد من الأفكار للمدونة والمواضيع التي تحتاج لتصوير وتوثيق. هناك أصدقاء أريد أن أستغل أنهم لا يزالون في البلد وأن أقضي معهم وقتاً نوعياً. هناك مشاوير مع أخي حميد وكتب مثيرة للاهتمام تنتظر على رفوف المكتبات، ولغات لتستكشف وتُتَعلّم ... لماذا كل ما يجعل للحياة معنى نؤجله، لماذا أولوياتنا مقلوبة رأساً على عقب؟!

يقول جورج برنانوس: "الفكرة التي لا تؤدي إلى عمل هي ليست شيئاً كثيراً، والعمل الذي لا ينبع من فكرة هو ليس شيئاً البتة."
لذلك أظن أن علينا أن نترجم أفكارنا العزيزة إلى أفعال حتى تصبح ذات معنى وبالتالي يكون لدينا حياة لها قيمة لا نتحسر عليها عندما يتقدم بنا العمر ونحن لا نشعر.



*ملاحظة على الهامش: الصور ملتقطة من ديوان الدوق في وسط البلد. مكان يستحق الزيارة ضعوه على قوائمكم غير المؤجلة :)

جوز هند


بجوز هند لا نقصد الفاكهة الموجودة في شوكولاته الباونتي، إنما نعني بها "زوج هند". هند الفتاة اللطيفة و زوجها الإيطالي الذي يتكلم العربية ولديه وشم كلمة "حرية" باللغة العربية على ذراعه.


مطعم صغير أنيق وجميل ولديه العديد من المبادئ. في جوز هند هناك مقاطعة جادة! كم هي جميلة هذه الكلمة! "مقاطعة" :)
في المطعم هناك طاولة واحدة كبيرة وضعت بالطول فيشعر زبائن المحل أنهم عائلة يجلسون على مائدة  واحدة. عندما جاء أحد الزبائن ليطلب سأل عن المشروبات فقالت هند أنه لا يوجد لديهم إلا المياه، والمياه ليست عبوات تجارية؛ بل هي من مياه مفلتره عندهم لأنهم بعدما استقصوا وجدوا أن كل المياه من إنتاج شركتي بيبسي أو كوكاكولا أو نستله وهم لا يريدون ذلك. سألها الزبون ألا يوجد بيبسي، كولا، سفن ..؟! فأجابت: "لا، نحن مقاطعون". عندها خفق قلبي بشدة ولم أتمالك نفسي من الابتسام ابتسامة عريضة من الأذن للأذن :)) لم أكن أكثر فخراً في حياتي من صاحبة مشروع جميلة ولطيفة في مدينتي كما كنت مساء يوم الخميس الماضي.


ولتقعوا معي بغرام مطعم جوز هند بزيادة؛ دعوني أخبركم أن من سياسة المحل - بالإضافة إلى المقاطعة بالطبع - الاعتماد على الأطعمة الطازجة واستبعاد كل ما مُعلَّب. ويتم ذلك بالاعتماد على الخضراوات والفاكهة الموسمية لكل وقت. فقائمة الطعام لديهم يومية، يقدمون "طبق اليوم" و حساء وسلطة وطبق للتحلية يختلف من يوم ليوم. 
ألا تحمسكم ذلك للذهاب وتجربته اليوم قبل غداً!؟ :)


مسجد أبو درويش




يعتبر مسجد أبو درويش أيقونة من أيقونات البلد، فهو في مكان مرتفع من جبل الأشرفية بحيث يمكن رؤيته من أكثر من مكان في العاصمة عمان. وكان مشروع زيارته على القائمة منذ الأزل! (نعم فنحن نعتبر مهوسين بكتابة القوائم)
وتصويره بند سنوي يكتب في كل قائمة ويرحّل من عام إلى عام. أستطيع القول أنه - وبحمد الله - تم إنجاز هذا البند من قائمة 2014 :)

المسجد يستحق الزيارة لأكثر من سبب، فإلى جانب كونه أيقونة - كما أشرت سابقاً - فهو بناء معماري لطيف، أبلق إن صح التعبير؛ في لونه بياضٌ وسواد.

بالإضافة إلى ذلك فهناك مطل رائع، يبهر باتساعه من يقف ويتأمل. عندما وصلناه، ساد صمت مريح عدة دقائق، كان في المشهد زخم شديد وشيء من المفاجأة، كيف اتسعت عمان وازدحمت منذ بناء المسجد في بداية الستينات.

وبجانبه ميدان جميل،  يمر به الكبير والصغير من سكان المنطقة ومن مراجعي مستشفى البشير. وهذا بحد ذاته أمر عظيم - على الأقل  بالنسبة لي - في بلد أماكنها العامة قليلة نسبياً،أليس في ذلك ما يبعث على الحزن؟! لأن الحياة العامة بمواصلاتها ومرافقها واحتكاك شرائح المدينة المختلفة ببعضهم البعض أمر مهم وليس ضرباً من الرفاهية في حياة محسوبة علينا "مدنية".
أهل تشعر/تشعرين أنك تعرف أهل مدينتك؟ هل ترى في حياتك اليومية أشخاص من خلفيات مختلفة؟ هل تصادف رجالاً كباراً في العمر أو نساء في عمر الجدات في طريقك إلى منزلك؟












فن الشارع في عمان


مبادرة "الفن للجميع" مبادرة لطيفة ومشروع غير ربحي لمجموعة من الفنانين المحليين والعالميين يهدف لجعل المجتمعات المحلية الشعبية أماكن أجمل وأكثر جاذبية لمحبي الفنون من مختلف الخلفيات. بدأ المشروع في آذار، وكما رأينا عندما زرنا الحي؛ الجداريات مكتملة ومشرقة.

عندما بحثنا عن الموضوع أكثر لنحصل على تفاصيل أماكن الجداريات والمسار المقترح، توقعنا مشاهدة ثماني جداريات، وبالفعل تمكنا من مشاهدة اللوحات الرئيسية. المفاجأة كانت في الفنون المتفرقة هنا وهناك بأحجام أصغر نسبياً وفي أماكن غير متوقعة على أسطح المنازل، والأسوار، ولدى كشاشي الحمام وشرفات بعض المنازل القديمة.

إن كنتم من محبي الفنون، أو ترغبون بعمل نشاط مختلف واستغلال الطقس الجميل في الأسابيع المقبلة فإنني أنصحكم بزيارة حي جبل القلعة، وعلى وجه التحديد شارع سلمة بن الإكوع.


قبل الذهاب لمشوارنا شاهدت فيلم فيديو قصير عن المبادرة، وسرني أن اللوحات الفنية التي تتحدى الإعلانات التجارية مستوحاة من البيئة المحلية. فحتى الفنانين الأجانب بحثوا وقرأوا عن الأردن واستوحى بعضهم لوحاتهم من موضوع الندرة المائية مثلاً.


هذه الجدارية على سبيل المثال جميلة جداً على أرض الواقع، لا تفوتوا فرصة رؤيتها.



أما هذه الجدارية فهي المفضلة لدي:

الهوس الموسمي الجديد: زهرة ويستيريا


أنا سعيدة جداً لأني أعيش في عالمٍ فيه فصول ربيع. لا عجب أن رأس السنة الفارسية يكون في الاعتدال الربيعي، فالحياة تبدأ في هذا الفصل ضاحكة يانعة مبشرة بالأمل والتفاؤل مع زخم الألوان وتداخل العطور.

إن كنت أحظى بشرف متابعتكم فلا بد أنكم تعرفون إعجابي العميق بزهرة المجنونة (كما في هذه التدوينة، وهذه، وتلك). والآن انضمت زهرة أخرى إلى قائمة الأمور المبهجة في الحياة وهي "ويستيريا" :)
أظن أن وقت إزهار "الويستيريا" قصير، لذلك أنصحكم باغتنام فرصة الاستمتاع بوجود القناديل الأرجوانية زكية الرائحة في الأيام القليلة المقبلة. أرى الكثير منها في الشوارع الخلفية في الشميساني، وأسوار بعض المنازل في خلدا وأم السماق. لكن المنجم الكبير في حدائق الحسين! (كما في الصور المرفقة)



كل ربيع وأنتم بألف خير! أتمني لكم ربيعاً مشرقاً سعيداً مليئاً بالبهجة والسرور والرحلات العائلية والأنشطة في الهواء الطلق.




Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...