هل بالغ الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس عندما قال في إحدى قصائده: "وأنا الذي تخيلت دوماً الجنة على شكل مكتبة"؟
إذا كنا من محبيّ القراءة ولدينا تصوّراتنا عن الجنة بأنها مكان هادئ، ينعم بالأمان، ويحتوى على ما لذّ وطاب (فكرياً)، فإن احتمالية اتفاقنا مع بورخيس عالية جداً. بالنسبة إلي، المكتبة العامة التي أتردد عليها واحة صامتة، تصطف فيها الكتب بجلال، تفتح لي في كل مرة أزورها آفاق لم أكن أعرف بوجودها. فزيارتها نشاط فردي ممتع باعث على الراحة، أقضي فيه وقتاً نوعياً مع نفسي، وأتقاسم مع رواد المكتبة صمتاً مريحاً يمكنني من التفكير بصفاء، والاستمتاع بتصفح الكتب المركونة بعناية، وأخرج منه محمّلة بزوّادة شهية تحمّسني لعدة أسابيع قادمة.
التالي عدد من الأسباب التي تجعلني من محبي المكتبات العامة ومن المواظبين على استعارة الكتب منها:

- احتمالات لا نهائية
في العادة أذهب إلى المكتبة وفي جعبتي قائمة بأسماء كتب سمعت عنها، أو صادفت على مواقع التواصل اقتباساً ملفتاً منها، أو قرأت مراجعات لها على موقع جودريدز. لكن ما يحصل في أغلب الأحيان أني أجد واحداً أو اثنين (وفي بعض الأحيان لا أجد أبداً) وأخرج مبتهجة بكتب أخرى غير مدرجة على القائمة. لماذا يحصل ذلك؟
هناك الكثير من التفسيرات.
فمثلاً، من الوارد أن يكون أحد الكتب مستعاراً من قبل شخص آخر، لذلك علي تأجيل استعارته حتى يفرغ الآخرون منه. وذلك مبدأ تشاركي جميل، يعلمني فضيلة الصبر ويذكرني بأهمية المشاركة.
وبالمناسبة، هناك متعة غامضة أجدها في الاطلاع على الصفحة الأخيرة من الكتب في المكتبة العامة، حيث يكون هناك جدول مرفق تنطبع عليه تواريخ الإرجاع بأحبار حمراء وزرقاء.
أؤلئك الأشخاص الذين قاموا باستعارة الكتاب وكان متوقعاً منهم إرجاعه في إحدى التواريخ المختومة من الممكن أن يكونوا أصدقائي في عالم موازٍ. أتخيل أن بيننا شيء مشترك وهو اهتمامنا بنفس الكتاب، وفي حال التقينا نستطيع أن نتحدث عنه وإن كنا أحببناه أم لا كونه رافقنا لأسبوعين على الأقل، حيث حملناه في حقائبنا، واستضفناه في بيوتنا وقلبنا صفحاته وقرأنا محتواه وركناه على مكاتبنا أو تحت المصابيح الجانبية قبل النوم.
سبب آخر يدفعني لعدم التقيّد بقائمة كتب معدة سابقاً هو أرفف المكتبات السحرية. فهناك رف "وصل حديثاً" ورف آخر "أعيد للتو"، يكون عليهم عناوين ملفتة وأسماء براقة تجعل من مقاومة استعارة تلك الكتب أمراً صعباً.
كما أن هناك أرفف الأقسام من أدب وسياسة وتاريخ ولغات وغيرها. صحيح أن محركات البحث الخاصة بفهرس المكتبة تقودنا إلى أرفف تحتوي على الكتب التي نبحث عنها، لكن تلك الأرفف من الممكن أن تحتوي أيضاً على مؤلفات أخرى لنفس الكاتب، أو مؤلفات أخرى في نفس الموضوع. لذلك من الطبيعي أن تجذبنا وتثير فضولنا، فنتصفحها وينتهي بنا الأمر باستعارة كتب أخرى.
قائمة الكتب المقترحة - على خلاف الكثير من خطط الحياة الأخرى - تتمتع بقدر عال من المرونة ونتيجتها شبه ثابتة: الحصول على ثلاثة كتب نختارها نحن حسب تفضيلاتنا ومزاجنا في تلك الزيارة لمدة أسبوعين (قابلة للتمديد لأربعة).

- التقليلية أو العيش البسيط
هناك العديد من عشاق تجميع الكتب حول العالم، فلا يزال اقتناء الكتاب أمتعة بحد ذاتها بالنسبة للكثيرين. إلا أن هناك توجه متزايد نحو التقليلية أو نمط العيش البسيط الذي يدعو للتخلص من الأشياء الفائضة والرجوع إلى الأساسيات لعيش مريح ومتوازن.
والاستعارة جزء أصيل من نمط الحياة ذاك. ففي حال بدأنا بقراءة الكتاب ولم يعجبنا، فإن شعور التورط أقل وطأة في حال كان الكتاب مشترى (بصراحة). وحتى في حال كان الكتاب جميلاً وأحببناه لكننا متأكدون أننا لن نقرأه أكثر من المرة فإن استعارته هو التصرف العملي في هذا السياق. تمكننا الاستعارة من الاستمتاع بقراءة الكتاب ورقياً، مع توفير ميزانية شرائه لأنشطة أخرى وعدم القلق بشأن تخزينه ونقله أو إعادة تدويره.
فكرة أن الكتاب متاح للاستعارة لمدة أسبوعين فقط (قابلة للتمديد لأربع) يساعد في تنظيم الوقت. لذلك يتم التركيز على مطالعة الكتب المستعارة دون المماطلة والتأجيل الذي يحصل كثيراً بعد شراء الكتب.
مع الاستعارة بشكل دوري تنتظم وتيرة القراءة ويشعر المرء بنوع من الالتزام لإنهاء قراءة ما استعار ضمن إطار زمني محدد. ما أفعله أنني أقرأ كتاباً فكرياً أتبعه بعمل أدبي خفيف وأحاول التنويع، وكأني أعطي نفسي استراحات من الكتب الثقيلة بأخرى ممتعة وسهلة نسبياً. والتنوع الواسع في الكتب المتاحة في المكتبة يمكنني من القيام بذلك بسهولة.
ماذا عنكم؟ هل تفضلون استعارة الكتب أم اقتنائها؟
وهل ترتادون المكتبات العامة في مدنكم؟ وما هي الأسباب التي تدفعكم لذلك؟









































