‏إظهار الرسائل ذات التسميات بعدستي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بعدستي. إظهار كافة الرسائل

المكتبة العامة: حديقتي غير السرية


هل بالغ الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس عندما قال في إحدى قصائده: "وأنا الذي تخيلت دوماً الجنة على شكل مكتبة"؟
إذا كنا من محبيّ القراءة ولدينا تصوّراتنا عن الجنة بأنها مكان هادئ، ينعم بالأمان، ويحتوى على ما لذّ وطاب (فكرياً)، فإن احتمالية اتفاقنا مع بورخيس عالية جداً. بالنسبة إلي، المكتبة العامة التي أتردد عليها واحة صامتة، تصطف فيها الكتب بجلال، تفتح لي في كل مرة أزورها آفاق لم أكن أعرف بوجودها. فزيارتها نشاط فردي ممتع باعث على الراحة، أقضي فيه وقتاً نوعياً مع نفسي، وأتقاسم مع رواد المكتبة صمتاً مريحاً يمكنني من التفكير بصفاء، والاستمتاع بتصفح الكتب المركونة بعناية، وأخرج منه محمّلة بزوّادة شهية تحمّسني لعدة أسابيع قادمة.

التالي عدد من الأسباب التي تجعلني من محبي المكتبات العامة ومن المواظبين على استعارة الكتب منها:



- احتمالات لا نهائية
في العادة أذهب إلى المكتبة وفي جعبتي قائمة بأسماء كتب سمعت عنها، أو صادفت على مواقع التواصل اقتباساً ملفتاً منها، أو قرأت مراجعات لها على موقع جودريدز. لكن ما يحصل في أغلب الأحيان أني أجد واحداً أو اثنين (وفي بعض الأحيان لا أجد أبداً) وأخرج مبتهجة بكتب أخرى غير مدرجة على القائمة. لماذا يحصل ذلك؟
هناك الكثير من التفسيرات.

فمثلاً، من الوارد أن يكون أحد الكتب مستعاراً من قبل شخص آخر، لذلك علي تأجيل استعارته حتى يفرغ الآخرون منه. وذلك مبدأ تشاركي جميل، يعلمني فضيلة الصبر ويذكرني بأهمية المشاركة.

وبالمناسبة، هناك متعة غامضة أجدها في الاطلاع على الصفحة الأخيرة من الكتب في المكتبة العامة، حيث يكون هناك جدول مرفق تنطبع عليه تواريخ الإرجاع بأحبار حمراء وزرقاء.


أؤلئك الأشخاص الذين قاموا باستعارة الكتاب وكان متوقعاً منهم إرجاعه في إحدى التواريخ المختومة من الممكن أن يكونوا أصدقائي في عالم موازٍ. أتخيل أن بيننا شيء مشترك وهو اهتمامنا بنفس الكتاب، وفي حال التقينا نستطيع أن نتحدث عنه وإن كنا أحببناه أم لا كونه رافقنا لأسبوعين على الأقل، حيث حملناه في حقائبنا، واستضفناه في بيوتنا وقلبنا صفحاته وقرأنا محتواه وركناه على مكاتبنا أو تحت المصابيح الجانبية قبل النوم.

سبب آخر يدفعني لعدم التقيّد بقائمة كتب معدة سابقاً هو أرفف المكتبات السحرية. فهناك رف "وصل حديثاً" ورف آخر "أعيد للتو"، يكون عليهم عناوين ملفتة وأسماء براقة تجعل من مقاومة استعارة تلك الكتب أمراً صعباً.

كما أن هناك أرفف الأقسام من أدب وسياسة وتاريخ ولغات وغيرها. صحيح أن محركات البحث الخاصة بفهرس المكتبة تقودنا إلى أرفف تحتوي على الكتب التي نبحث عنها، لكن تلك الأرفف من الممكن أن تحتوي أيضاً على مؤلفات أخرى لنفس الكاتب، أو مؤلفات أخرى في نفس الموضوع. لذلك من الطبيعي أن تجذبنا وتثير فضولنا، فنتصفحها وينتهي بنا الأمر باستعارة كتب أخرى.

قائمة الكتب المقترحة - على خلاف الكثير من خطط الحياة الأخرى - تتمتع بقدر عال من المرونة ونتيجتها شبه ثابتة: الحصول على ثلاثة كتب نختارها نحن حسب تفضيلاتنا ومزاجنا في تلك الزيارة لمدة أسبوعين (قابلة للتمديد لأربعة).



-  التقليلية أو العيش البسيط
هناك العديد من عشاق تجميع الكتب حول العالم، فلا يزال اقتناء الكتاب أمتعة بحد ذاتها بالنسبة للكثيرين. إلا أن هناك توجه متزايد نحو التقليلية أو نمط العيش البسيط الذي يدعو للتخلص من الأشياء الفائضة والرجوع إلى الأساسيات لعيش مريح ومتوازن.
والاستعارة جزء أصيل من نمط الحياة ذاك. ففي حال بدأنا بقراءة الكتاب ولم يعجبنا، فإن شعور التورط أقل وطأة في حال كان الكتاب مشترى (بصراحة). وحتى في حال كان الكتاب جميلاً وأحببناه لكننا متأكدون أننا لن نقرأه أكثر من المرة فإن استعارته هو التصرف العملي في هذا السياق. تمكننا الاستعارة من الاستمتاع بقراءة الكتاب ورقياً، مع توفير ميزانية شرائه لأنشطة أخرى وعدم القلق بشأن تخزينه ونقله أو إعادة تدويره.


- تنظيم وتيرة القراءة
فكرة أن الكتاب متاح للاستعارة لمدة أسبوعين فقط (قابلة للتمديد لأربع) يساعد في تنظيم الوقت. لذلك يتم التركيز على مطالعة الكتب المستعارة دون المماطلة والتأجيل الذي يحصل كثيراً بعد شراء الكتب.

مع الاستعارة بشكل دوري تنتظم وتيرة القراءة ويشعر المرء بنوع من الالتزام لإنهاء قراءة ما استعار ضمن إطار زمني محدد. ما أفعله أنني أقرأ كتاباً فكرياً أتبعه بعمل أدبي خفيف وأحاول التنويع، وكأني أعطي نفسي استراحات من الكتب الثقيلة بأخرى ممتعة وسهلة نسبياً. والتنوع الواسع في الكتب المتاحة في المكتبة يمكنني من القيام بذلك بسهولة.  


ماذا عنكم؟ هل تفضلون استعارة الكتب أم اقتنائها؟
وهل ترتادون المكتبات العامة في مدنكم؟ وما هي الأسباب التي تدفعكم لذلك؟

موسم العناقيد الليلكية


تردد كثيراً في الآونة الأخيرة أن ربيع هذا العام مميز. الحمد لله، كانت أمطاره وفيرة ودرجات الحرارة لا تزال أقل من معدلاتها السنوية. وبسبب تلك الظروف المتعلقة بالحرارة وتوافر المياه؛ فإن النباتات تتأثر بشكل مباشر. ولذلك فقد كان الغطاء النباتي من الأعشاب والأزهار البرية متنوعاً ودام أطول من المعتاد.

وقد تكون برودة هذا الشتاء ساهمت في أداء لافت لشجيرات الويستريا المزهرة. أراقبها في كل عام، لكنها فعلاً مميزة هذا الموسم. كثيفة وغنية ومتدلية في كل مكان!

الآتي صور التقطتها خلال الأسبوع الماضي من أحياء مختلفة في مدينة عمان:










يومي في ثوانٍ


بدأت في ٢٧ من كانون الأول العام الماضي بتصوير سلسلة من اليوميات المصورة جمعتها في وسم "يومي في ثواني". وهي عبارة عن مجموعة من مقاطع الفيديو التي لا تتعدى ال١٥ ثانية أجمع فيها مقاطع قصيرة لتوثيق لمحات من يومي. ففي كل يوم أحاول التقاط مقاطع فيديو قصيرة جداً، تتراوح بين الثانية الواحدة والخمس ثوانٍ، ثم أحررها وأقصرها وأجمعها بشكل متسلسل بحيث يكون مجموع الثواني خمس عشرة ثانية.
شاركت تلك المقاطع اليومية بمثابرة وانتظام على مدى الثلاثة أشهر الماضية على حسابي في انستجرام. كانت نشاطاً إبداعياً يومياً، دفعني لصناعة محتوىً بشكل شبه يومي. كان ممتعاً وحظي بتفاعل واسع من قبل الأهل والأصدقاء.

لكني في هذا الأسبوع، ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، بت أفكر في استمرارية هذا المشروع الشخصي. بعد ٣ أشهر، أستطيع أن أشارك بعض الانطباعات والدروس المستفادة من التجربة.


الجوانب اللطيفة في التجربة:

- ملاحظة تفاصيل يومية بسيطة
لأني كنت بحاجة إلى لقطات منوعة لصناعة اليوميات المصورة، كان علي ملاحظة تفاصيل صغيرة وتوثيقها. ساعدني ذلك على رؤية قطرات المطر على حوض النباتات، أو وضعية ظريفة لأحد القطط، وحركة الناس في شارع يعجّ بالحياة والمارة، ولون السماء وقت الغروب. كثير من تلك التفاصيل كنت لأغفل عنها في خضم الحياة اليومية لولا تلك العدسة المتفحصة التي كانت تيقّظني وتلزمني بإنتاج مقطع فيديو في آخر اليوم.
تجدر الإشارة إلى أن الأيام التي كانت تلقى تفاعلاً أكثر، هي تلك الأيام الهادئة التي كنت أقضيها في المنزل. على خلاف ما كنت أتوقع، فإن الأيام الحافلة بالأحداث أو الرحلات لم تكن تشد الانتباه بقدر ما كانت تفعل الأيام بطيئة الوتيرة. بعد شيء من التفكير يبدو ذلك منطقياً، أليس كذلك؟ من بحاجة لرؤية يوم استثنائي شيّق لشخص آخر في مدينة أخرى لا يستطيع هو/هي الذهاب إليها والقيام بأنشطة مشابهة؟
أظن أننا نميل لما يشبهنا ويشبه حياتنا ونتواصل معه. أؤمن بأن لدى الجماهير المتلقية على منصات التواصل الاجتماعي فراسة لا يستهان بها، وقدرة على الإحساس بالمحتوى المتكلف المتقن المبالغ بصنعه من جهة، وذلك العفوي الذي صُنع بتلقائية ودون رغبة بالاستغراض من جهة أخرى. كثيرون - وأنا شخصياً منهم- تلفت انتباههم تفاصيل الحياة اليومية العادية الرتيبة الصغيرة. لذلك كنت أسعد دائماً بالتعليقات والمشاركات أن مقاطع "يومي في ثوانٍ" شجعت البعض على ملاحظة التفاصيل اليومية الصغيرة والاستمتاع بها بشكل أكبر. 


- تقدير الطقوس العائلية والاجتماعية:
 الاجتماع على مائدة الفطور، أو أحاديث فنجان القهوة، أو الكنكنة في الشتاء ، وغيرها من الطقوس اليومية التي كنت أظن أنها اعتيادية للملايين من الناس،  أصبحت أراها من منظور آخر. 
ذكرني التفاعل والتعليقات بأن الكثير من الأمور ليست تحصيلاً حاصلاً، وأنها من النعم المغبون بها كثير من الناس.
كنت أتلقى العديد من التعليقات الدافئة المليئة بالنوستالجيا لأيام مضت، أو لمغتربين مشتاقين للمّة العائلية. وحتى أني تلقيت رسائل مؤثرة من أصدقاء على انستجرام كانت تذكرهم مقاطع الفيديو تلك بأيام سوريا التي اضطروا لمغادرتها، لبيت الجد، والاجتماعات العائلية. كنت أشعر بالغصّة والخجل من تلك الرسائل، وكنت أخاف أن تبعث تلك المقاطع المرارة والحزن على أيام مضت لدى الكثيرين. إلا أن تلك الرسائل غالباً ما كانت تصاحبها كلمات تشجيع لطيفة تطلب الاستمرار في صنع محتوى مشابه، حيث أنها تذكر مرسليها بذكريات جميلة.

- صناعة المحتوى كنشاط تشاركي
من اللطيف أن يشترك أفراد العائلة والأصدقاء في صناعة تلك المقاطع. كنت أركز دائماً على عفوية اللقطات وأن تكون مصورة بتلقائية وبنفس اليوم.  لكني كنت أحتاج للمساعدة في أحيانٍ كثيرة،  كتثبيت كاميرا الهاتف، أو تصوير لقطة ما (كإزالة ورقة الروزنامة اليومية التي يساعدني فيها أخي عبد الحميد)، أو الأفكار التي كان يقترحها بمرح الأقارب والأصدقاء. خالتي وبنات خالتي مثلاً كانوا يتعاونون دائماً ويذكروني بحماسة  بتصوير لقطة ما من زياراتنا العائلية، وكانوا متعاونين جداً ويساعدونني في الإضاءة و زوايا التصوير. عمتي أيضاً كانت شديدة الصبر، وتحملتني بكل حبّ في أيام عديدة كذلك اليوم الذي صورتها فيه وهي تصنع الكراوية أو في أحد أيام الجُمع وهي تسكب المنسف (عوضاً عن مساعدتها). خلقت مقاطع "يومي في ثوان" شيئاً من المرح، وأضحت نشاطاً تفاعلياً يشترك فيه الحاضرون في تلك الأيام، ويترقبونه نهاية اليوم ليروا الثانية التي ظهروا فيها. 

هناك أيضاً بُعد تفاعلي تشاركي آخر، وهو اهتمام الكثيرين بتجربة التوثيق اليومية، وقيامها بعمل نسخهم الخاصة من "يومي في ثوانٍ". شاركني العديدون مقاطع جميلة قاموا بإنتاجها لتوثيق رحلات أو أيام معينة. كنت أسعد كثيراً عندما يرسلونها لي بشكل خاص أو يشاركونها على الوسم (#يومي ـ في ـ ثواني). ساعدتني تلك المشاركات الجميلة من حول العالم، ومن الوطن العربي تحديداً، على التعرف على أصدقاء انستجراميين لم أرهم يوماً وجهاً لوجه.  كانت تأخذني إلى مدنهم، أشرب معهم قهوة الصباح، وأستقل معهم المواصلات، وأشتري معهم الخضار الموسمية من الأسواق الشعبية، وأرى العالم من خلال أعينهم. الحياة في الكويت، والدار البيضاء، والقاهرة وغيرها من المدن التي لم أذهب إليها (بعد :))، حياة حقيقية محلية أصلية بعيون أصحابها. 

- الالتزام والمواظبة
عند النظر بأثر رجعي إلى الثلاثة أشهر الماضية، أشعر بالرضى والسعادة لتمكني من الالتزام بذلك المشروع الشخصي والمواظبة عليه يومياً. "يومي في ثوانٍ" كان بمثابة دورة شخصية مكثفة لتطوير مهارات التصوير وتحرير مقاطع الفيديو ومشاركة محتوى بشكل منتظم على حسابي في انستجرام.


الجوانب السلبية في التجربة:

- الاضطرار إلى إبقاء الهاتف في متناول اليد طوال الوقت
بعض اللقطات مخطط لها، والبعض الآخر عفويٌ لا نعرف متى يحصل. لذلك كان لا بد من إبقاء الهاتف قريباً، ومشحوناً، وبذاكرة كافية لتخزين مقاطع الفيديو الكثيرة، غير تحرير المقاطع مساء كل يوم. كل ذلك كان مجهوداً لا بأس به. بسبب ذلك أشعر أني بحاجة إلى استراحة (فأنا أشتاق لحميتي الإلكترونية)، استراحة من التصوير ومن وهج الشاشات ومن بعض التشتت هنا وهناك.

- الاختزال
اليوم ٢٤ ساعة، ١٤٤٠ دقيقة، ٨٦٤٠٠ ثانية. نحن نقتطع من تلك ٨٦٤٠٠ ثانية ١٥ ثانية فقط لنوثق كيف كان ذلك اليوم. بالتأكيد لن نستطيع عكس صورة واقعية لمجريات الأحداث السلبية والإيجابية. سنميل إلى توثيق ما هو جميل منها، ولذلك من السهل الوقوع في فخ الأيام المثالية بالغة السعادة التي ليس لها وجود على أرض الواقع. لذلك فإن واقعية ذلك محتوى مشكوك بأمرها. 


ختاماً، لا أدري إن كنت سأكمل صناعة تلك المقاطع أو لا. ربما أشاركها بين الحين والآخر، أو ربما ألزم نفسي ثانية بها استكمالاً للنشاط التوثيقي طالما أن لدي القدرة والوقت لذلك. أو ربما يجب أن استحدث فكرة إبداعية أخرى ألزم نفسي بها الفترة القادمة. لست أدري بعد. 

لقيمات هنية


البعض يقولون عنه "غذاء للروح" وآخرون يصفونه بأنه "باعث على الراحة"؛ ما هو سر الطعام الذي يؤكل ويكون هنيئاً مرئياً في أيام لا يمكن وصفها بأنها مشرقة أو سعيدة؟ 


يقال أن هناك أنواعاً مختلفة مما يعده الناس طعاماً باعثاً على الراحة. هناك الطعام المرتبط بالنوستالجيا؛ كالبيض المقلي على طريقة الجدّة، أو طبخات مقترنة بالطقوس كأكلات اللبن في اليوم الأول من العام الهجري أو الميلادي، أو وجبات نشأنا على حبها منذ كنا أطفالاً وتشعرنا بالحنين إلى الماضي كلما تناولناها، كالأطباق التي تحضّر في المناسبات على غرار التبولة والحراق أصبعه وغيرها.


أما بالنسبة إلى البعض فإن الطعام الباعث على الراحة هو الطعام الغني بالكربوهيدات كالمخبوزات بأنواعها أو بالسعرات الحرارية و التي تكون فيه النكهات مركزة؛ الحلو حلوٌ جداً كالشوكولاته والبوظة، والمالح مملحٌ بسخاء كالبوشار والمكسرات ورقائق البطاطا، والحامض لاذع كالسكاكر المغلفة بملح الليمون.

يقال أن الراحة الناتجة عن ذلك النوع من الأطعمة لحظية، فبمجرد الانتهاء من الطعام تنتهي اللذة ويأتي محلها شعور مزعج بالامتلاء. لهذا السبب يصر الكثيرون على أن الطعام المريح هو ما كان سهل التحضير من جهة، وسهل الهضم من جهة أخرى.



عملية التحضير مهمة لأنها هي ما تجعل طعاماً ما "باعثاً على الراحة" أو كما نقول في لهجتنا "النَفَس".. فالخبرة وحدها أو التقييد بإرشادات الوصفة لا يكفي؛ نَفَس من يقوم بتحضير الطعام يحدد إن كان الطبق لذيذاً أم لا. كما يقال أن هناك أناس "نفسهم طيبة"، و أن من يأكل في بيوتهم أو من ضيافتهم "يتهنّى".


أذكر مرة أنني رافقت صديقتي وأمها إلى السوق الأسبوعي في أحد ضواحي اسطنبول في القسم الآسيوي. ونحن في السوق قالت الأم أننا قريبون من بيت أهلها وأن علينا الذهاب للسلام على الجد والجدة، وأن زيارتنا السريعة ستكون فرصة لأداء صلاة الظهر التي حان وقتها. بعد أن خلعنا أحذيتنا على الباب وقبّلنا يديّ الجدة، دخلنا على بيت صغير هادئ بنوافذ كبيرة، ستائره بيضاء ومشغولة جوانبها يدوياً بالسنارة. لم يكن الوقت قد حان لأي وجبة، فقد تخطينا الفطور ولا يزال هناك متسع من الوقت للغداء، لكن الجدة أصرت أن نتناول حساء خضراوات موسمية. قلت لها مجاملة أنه لا داعٍ لكنها قالت ببالغ الجدية: "حسائي لا يُفوّت .. حسائي فيه شفاء". ابتسمت من فكاهة الجدة، فهي مجرد شوربة خضار بالجزر المسلوق والكرفس، لكن ملامحها غدت أكثر جدية وقالت بنبرة تقارب العتاب على ابتسامتي المستهترة: "أطبخ طعامي بنية الشفاء، أريد أن أؤجر دائماً وأن يأكل من طعامي الأبرار."
كان لتلك الكلمات وقع كبير علي، جعلت من زبدية الشوربة تلك طعاماً مميزاً. استشعرت في كل لقمة بُعداً غريباً سائغاً و "مريحاً". وبقيت كلمات الجدة في بالي كلما حضرت طعاماً لعائلتي.




نفسيات وفصول


إنه ذلك الوقت من العام الذي يُروّج فيه إلى أن التقلبات المزاجية التي تواجه الكثير من الناس بالتزامن مع الاعتدال الخريفي طبيعية. على الرغم من شيوعها و وجود بعض الدراسات التي تدعم هذه النظرية إلا أن لها وقعاً على مسامعنا يوحي وكأنها إشاعة، أو خرافة متداولة على غرار الأبراج، أو تفسير كسول من مستمع ملول لشكوى أحدهم ولتعبيره عن الانزعاج أو عدم التوازن الذي يشعر به.
ربما كانت فعلاً ضرباً من الهروبية نقوم به لإلقاء اللوم على خفوتنا الموسمي وعدم نشاطنا وتعكر أمزجتنا، و لربما كان ظاهرة حقيقية على غرار المد والجزر وظاهرة القمر المكتمل وغيرها .. كلها تكنهات.
يبقى لنا الاعتراف أن إلقاء اللوم والتهرب من المسؤولية فيه راحة جزئية (وإن كان كاذباً ومؤقتاً)، فيبدو أن هناك حاجة دائمة لدى الانسان للشعور بارتباطه بشيء أكبر منه، يستعين به لتفسير كل ما هو غير منطقي في حياته، وتعاقب الفصول أحد تلك التفسيرات الكسولة.

الأبيات التالية لأبي بكر الصنوبري:









مشاهدات مشّاءة في اسطنبول


ذهبت منذ بضعة أسابيع في رحلة قصيرة إلى اسطنبول لحضور حفلة حنّة وحفلتي زفاف، والالتقاء مع أشخاص يعنون لي الكثير بعد عدة سنوات. وبحكم أني عشت سابقاً في اسطنبول، وأتكلم اللغة، ولدي الكثير من المعارف والأصدقاء، لا أعتبر نفسي سائحة بالمعنى التقليدي عندما أزورها.

سبحان الله، عند الغياب عن مكان مألوف والرجوع إليه بعد فترة لا بد من ملاحظة ما هو جديد، والعودة إليه بعين متفحصة لا تأخذ وجود كل ما تراه من المسلمات. التالي مجموعة من المشاهدات التي لاحظتها أثناء تجولي في المدينة مع عدد من الصور التقطتها بهاتفي الخلوي من هنا وهناك.

- المحلات المتخصصة:
متاجر قديمة توحي بالعراقة، وكأن العولمة لم تصل إليها، متخصصة ببيع كل ما يتعلّق بمنتج معين أو تقديم خدمة معينة. تشعر وكأن البائع أو مقدم الخدمة ورث "الكار" عن أبيه ويعرف زبائنه بالاسم وتربطه بهم علاقة اجتماعية أكثر منها مهنية.




الحارة:
 اشتقت لهذا المبدأ الذي يتلاشى شيئاً فشيئاً. أشفق على جيل هذه الأيام الذي يلصق تسليته بالشاشات بدلاً من "النزول إلى الحارة". كيف يعشون طفولتهم دون حَجْلة، وسبع حجار، وتسلق الأشجار، وقيادة الدرجات الهوائية؟ كيف لديهم رُكب سليمة خالية من الخدوش ولا تتسخ ملابسهم ببقع من الطين والرمل والبوظة؟
المهم، سعدت لأني مشيت هذه الزيارة في الكثير من الحارات.



يقال لكي تعرف مدينة ما عليك أن تستشعرها بقدميك، هذا ما فعلته بعد مشي عدة ساعات في أزقة منطقة "بلاط". صادفت بائعي خضار متجولين وربات بيوت ينادونهم بأسمائهم من الشرفات العالية. سلال من القش مربوطة بحبال ملونة تنزل بالنقود وتصعد بخضار وفاكهة موسمية.


سمعت سعال متقطع من النوافذ المفتوحة على الطريق التي تزينها نباتات متسلقة وعلب اللبن المزروعة بالأزهار، شِجار أطفال الجيران وثرثرة العجائز على عتبات البيوت الملونة ونظراتهم المتفحصة للمارّة.

- القطط التي تشعر بالأمان:


لطالما شعرت أن وجود قطط بصحة جيدة علامة إيجابية على سكان منطقة ما. وجود أوعية من الطعام على الأرصفة أو زبادي مملؤة بالماء للقطط والكلاب دليل على رحمة أهل الحي. الأمان الذي يشعر فيه القطط لافت للنظر، ويدل عليه الأماكن التي تختارونها لأخذ القيلولة، خصوصاً بنات عم زيتونة :)





يوم غائم في اللويبدة


هل تعرفون رواية "يوم غائم في البر الغربي" لمحمد المنسي قنديل؟
قرأتها منذ بضعة سنوات وأكثر ما أعجبني فيها عنوانها. أليس عنواناً موفقاً؟ فيه تمهيد بصري للحكاية يدفعنا للتخيل بمجرد رؤية الغلاف. أتخيل سماءً غائمة ونسمات قوية من الهواء وبحراً وأمواجاً ومشهداً تتفاوت فيه درجات الأزرق والرمادي.
بدون البحر والأمواج، ذكّرني مشوار حديث للويبدة بعنوان تلك الرواية.


لم يكن ذلك اليوم غائماً فقط، بل كان ماطراً أيضاً.
هيبة المطر التي تجعل الدنيا أكثر سكينة، والشوارع أقل ضجيجاً، والأشجار أكثر نظافة وانتعاشاً.



يمكن التغاضي عن مسحة الحزن أو الكآبة التي ترافق الغيمات الرمادية، والتفكير بأهمية المطر في إطالة أمد الربيع والأيام الكثيرة الجافة التي تنتظرنا في الأشهر القادمة.


وتبقى أيام الشتاء المتبقية فرصة لطيفة للكنكنة والقراءة ومعانقة الأكواب الساخنة، والتلذذ بالحلويات المشربة بالقطر والسعرات الحرارية.



اقتباس - لماذا نقرأ





"لا تقرأ من أجل المعارضة والتفنيد، ولا من أجل الإيمان والتسليم، ولا لأجل جلب الحديث، ولكن اقرأ لكي تزن الأمور وتتمعن فيها.
إن بعض الكتب ينبغي أن يُذاق، وبعضها يجب أن يزدرد، والبعض القليل خليقٌ أن يُمضغ ويُهضم ... ذلك أن بعض الكتب ينبغي أن يُقرأ منها شيء، وبعضها ينبغي أن تُقرأ ولكن ليس بالحرص التام، وقليلة هي تلك الكتب التي يجب أن تقرأ كاملة وبكامل الاجتهاد والانتباه".


- فرانسيس بيكون، المقالات.






جمعة شتوية مشمسة


بعد عدة أسابيع غائمة وباردة ودعاية متكررة لمنخفضات مثلجة لا تصل أبداً، يقولون أننا سنحظى بأيام مشمسة هذا الأسبوع، وهذا يجعلني متشوقة جداً للربيع. أفرك كفيّ حماسة لرحلات قادمة، ومسارات مشي طويلة، ولرؤية شيء من الغطاء النباتي وأشجار حرجية وأزهار برية وأعشاب خضراء فاقعة بعيداً عن ضوضاء المدينة (أو شبه المدينة).
أحتاج لشيء أتطلع إليه بعد هذا الشتاء - العصيب قليلاً- .



قضيت اليومين الماضيين في المنزل مستمتعة بأشعة الشمس التي تنسل من زجاج النوافذ، وأنجز بعض المهام. أحرر صوراً التقطتها لحفلة صديقتي العزيزة نور، وأرتب غرفتي وأكتب الرسائل وأقرأ في بعض الكتب المركونة بجانب سريري.
لا يبدو ذلك سيئاً، أليس كذلك؟ :)






Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...