حمية رقمية


منذ حوالي أكثر من شهر التزمت بحمية يراها كثير ممن حولي قاسية. ليست حمية غذائية لخسارة الوزن، وإنما حمية رقمية. حميتي الرقمية عبارة عن فصل الانترنت عن هاتفي الذكي ساعتين (على الأقل) قبل النوم، وساعتين بعد الاستيقاظ. وإغلاق الاتصال بالانترنت في حال كنت خارج المنزل. ودعوني أخبركم .. لا أزال على قيد الحياة، والحياة سعيدة والحمد لله. لم أفقد أحد حواسي، ولم يفتني أمر مهم، لم أخسر أحد أصدقائي ولم يحدث أي طارئ يجعلني أندم على الالتزام بهذه الحمية المريحة.

الذي حصل أنه في الفترة التي سبقت الشهر الذي بدأت فيه الحمية، شعرت بخواء غريب. بحكم أني لا أزال أبحث عن عمل في هذه المرحلة، ولديّ متسع نسبي من الوقت، كان لدي الكثير من الفرص لتصفح الانترنت بشكل عشوائي وعلى غير هدى. فقدت قدرتي على التحكم بالمدخلات التي تخترق دماغي وجهازي العصبي، ولم أعد أسيطر على المحتوى الذي يتسلل إلى حياتي. وكأنني كنت أُستدرج لقضاء المزيد من الدقائق والساعات على تطبيقات هاتفي الذكي.

حاولت أن أستعيد توازني بإلغاء تطبيق تويتر على هاتفي الذي كنت أتابع فيه بصمت. شعرت أنه كان يسمم حياتي، ويصيبني بخيبات أمل متكررة في كل مرة كنت أتصفحه بعشوائية. شككت باختياراتي لمن أتابع من المغردين، أو بالأوقات التي أتفقده، لكن الحقيقة كانت أن كمية الهراء والعنصرية، والشتائم والتعليقات المتهكمة، حتى الكوميديا السوداء لما يحدث في العالم من حولنا تفوق طاقة تحملي. قررت أن أحتفظ بحسابي، وأن أفتحه في فترات متباعدة من حاسوبي المحمول، وأن أقرأ بأثر رجعي تغريدات الأشخاص الذين تهمني آرائهم بالفعل.

ردة الفعل الحاسمة التي طالت تطبيق تويتر على هاتفي لم تصل إلى انستجرام، فانستجرام هو تطبيقي المفضل. لكن للأسف حتى انستجرام ليس معصوماً من الهراء. في فترة انتقالية - حرجة قليلاً - من حياتي لست بحاجة لرؤية "مؤثرين" فهموا الحياة وحققوا "النجاح"، يستعرضون ملابسهم الأنيقة، وزيجاتهم السعيدة ويعظون الآخرين ليصلوا إلى ما وصلوا إليه.
لا، شكراً جزيلاً ..صدقوا أو لا تصدقوا حتى "النجاح" مفهوم نسبي، وهناك كثيرون يشعرون بالامتعاض من نسخ "النجاح" التجارية المليئة بالاستهلاكية التي تروج لأهمية رأسمال بشكل مباشر أو غير مباشر في صور ملتقطة بعناية لمنتجات، وعلامات تجارية، وأماكن وأزياء سطّحت مفهوم الإنجاز والحجاب والصداقة وحتى أكثر الأمور حميمية كالأمومة والزواج.

شئت أم أبيت، مع كل التحري والانتقائية في اختيار الأصدقاء الانستجراميين ومن أتابع من الحسابات، كان ينفذ إلى شاشة هاتفي ما لا أرغب برؤيته. كنت أشعر أنه فخ، يقع فيه من يختار إمضاء وقت كبير على تلك التطبيقات الجذابة. وبت ألاحظ أني أقل رضىً وأكثر ملاحظة لتفاصيل لم تكن تهمني في السابق.
في السنة الماضية قطعت أشواطاً كبيرة؛ أكاديمياً وفكرياً واجتماعياً وحتى ونفسياً، ولم أشأ التراجع. أحسست أن علي أن أمسك زمام المبادرة من جديد وأستدرك الانزلاق في ذلك الفخ.

المنطق وراء هذه الحمية  هي القدرة على التحكم. التحكم بالمدخلات غير المتوقعة التي تخترق العقل والقلب والروح والتي تؤثر على مشاعرنا وأحاسيسنا المترتبة على ما اختار آخرون مشاركته على حساباتهم. وكما تقول صديقتي نور؛ الأمر بمثابة فتح باب المنزل لمن هبّ ودبّ والقول لهم تفضلوا على منزلي و قولوا لي كل ما ترغبون قوله سواء كنت مهتمة أو غير مهتمة، وأنا سأتحمل مسؤولية إدخالكم على حياتي وخرقكم لوقتي الخاص والتفاعل (إيجاباً أحياناً وسلباً في أحيان أخرى) على ما يحدث معكم.

ما يحصل هو ليس إنكاراً للآخر. بالطبع لا أستطيع الإدعاء أن المحتوى الذي لا يروق لي ليس موجوداً في هذا العالم. لكن ما أستطيع فعله التقنين في أن لا أجعله مسيطراً على حياتي وأفكاري، وأن أقلل من نفاذه إلى عقلي خصوصاً في الأوقات الحرجة، كالساعات الأولى بعد الاستيقاظ والتي تتحكم بالمزاج العام والطاقة لبدء اليوم، أو في الساعات الأخيرة قبل النوم والتي تؤثر على الجسم ونوعية النوم وحتى الأحلام!

بعد شهر من الحمية أستطيع أن أقول أني أكثر اتزاناً وسعادة ورضى.

الذي حصل أني بدون مبالغة أضفت أكثر من ٤ ساعات إلى يومي. تحسنت نوعية الوقت الذي أقضيه مع عائلتي، والتزمت بالكثير من الأمور التي كنت دائماً أجد صعوبة بالالتزام بها كصلاة الضحى، والورد اليومي من القرآن الكريم وأذكار الصباح والمساء. لدي متسع من الوقت للقراءة والمطالعة بلا تشويش. كما أني لاحظت من هو مدمن ممن حولي على هواتفهم، وكم أصبح من السهل تشتيت انتباه الكبار والصغار! فترات التركيز أقصر والجميع ملتصق بهاتفه وكأنه امتداد لجسمه، جزء لا يتجزأ من اليد.

لا أريد شيطنة تلك الأجهزة أو التهويل من مخاطرها، لكن هناك أزمة حقيقية تحدث بسبب سوء استخدامها.
على سبيل المثال؛ أليس ألف باء آداب الحديث هي ألا تقاطع من يتكلم معك؟ ومن حسن الاستماع الاصغاء لما يقوله محدثك دون الانشغال بشيء أثناء الحوار؟
لاحظت أن أقرب الناس إليّ، وأكثرهم لطافة يتفقدون هواتفهم ونحن في منتصف الحديث. كلما أمسك أحد هاتفه/هاتفهها ونحن نتكلم أصمت بالطبع، أجدها قلة احترام كبيرة، والأنكى أنه أحياناً يستغرقهم أكثر من ١٠ ثوانٍ من الصمت حتى يدركوا أننا توقفنا عن الحديث .. وهل تصدقون أنه في غالبية الأحيان لا يعتذرون؟! بصراحة أجد الأمر محزناً. إن أتفه الإشعارات على هواتفهم أكثر أهمية بالنسبة إليهم من حوار مع الجدة، أو ابن العم الصغير أو صديق/صديقة نراهم في فترات متباعدة.

ربما تعتقدون أني "زوّدتها" وأن الأمر لا يحتاج لكل هذا .. لكن الآتي أرقام ربما تجدونها صادمة لأين وصلنا في علاقاتنا المرضية مع هواتفنا الذكية:



لمصادر الاحصائيات:

هناك 20 تعليقًا:

  1. السلام عليكم روان :)
    أكتب تعليقي هنالأنها أحدث تدوينة لك

    أنا نوار طه من التقيتها اليوم في درس د.عبد الرحمن، كنت سعيدة جدًا بلقاءك والتعرف عليك، وسعيدة أكثر لأنك من مجتمع التدوين الجميل ^^
    مررت سريعًا على مدونتك وما تحويه من مواضيع مشوقةوصور رائعة ولمحات ظريفة، ومن اليوم بالتأكيد سأكون من أول القراء لكل جديد تدونينه إن شاء الله :)
    كل الشكر لك وأتمنى أن تحضري للدرس دومًا وأحظى بأحاديث أكثر معك

    وقتًأ طيبًا ;)

    ردحذف
    الردود
    1. وعليكم السلام ورحمة الله :) أهلا نوار
      سعيدة جداً بمرورك وتعليقك!

      سعدت جداً بالتعرف إليك، والأيام قادمة إن شاء الله لمزيد من الدروس والأحاديث ^^

      مدونتك جميلة جداً ما شاء الله، ويبدو أن لديك شبكة مثرية من المدونين .. من حسن حظي أني تعرفت عليك وعلى مدونتك :))

      كل التوفيق وأراك قريباً إن شاء الله

      حذف
  2. صديقتي روان.
    شكراً على التدوينة الملهمة للغاية!
    سأنضم لك ابتداءً من الليلة ان شاء الله ����❤️❤️

    ردحذف
    الردود
    1. صديقتي العزيزة لطيفة :)
      سعيدة جداً انه التدوينة أعجبتك وأنها كانت مصدر إلهام ^^
      الحمية مريحة جداً ؛) إن شاء الله رح تدعي لي :))

      حذف
  3. جميلة الفكرة ماشاء الله. بإذن الله أحاول أطبقها ����

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً جزيلاً على المرور والتعليق :))
      الحمد الله أن الفكرة أعجبتك، من تجربة أنصحك بها ؛)
      كل التوفيق!

      حذف
  4. روان ابدعتي!!! اظن انك تتحدثين عنا جميعاً!! اظن سأتبع هذه الحميه أيضاً! أحتاجها جداً.. شكرًا دائماً علم المحتوى الأكثر من رائع ��

    ردحذف
    الردود
    1. حبيبتي أروى 3>
      ما تتخيلي قديش بفرحني مرورك وتعليقك وتفاعلك :))
      كتير سعيدة انه عجبتك التدوينة، وجد جربيها ؛) مريحة .. رح تريحي راسك و رح تتفاجئي كيف الوقت بيروح و نحن مو حاسين بسبب الهواتف الذكية والتطبيقات
      الله ييسر أمورك ويهدي بالك

      حذف
  5. روان التدوينة رائعة، وسأبدا انا كمان بهذه الحمية من اليوم، انا فعلا مدمنة على جهازي، بحاول دائما انه يكون مش معي عشان اسيطر على نفسي وبحب اطلع مشاوير بدونه.. ودائما ما ابحث عن طريق لزيادة التركيز بعد ضعف التركيز الناتج عن هذا الادمان.. شكرا كتير روان
    دانه الطريفي

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً دانا على المرور والتعليق :)
      مبسوطة انه التدوينة أعطتك تشجيع للحمية
      بصراحة الموضوع منتشر بشكل غريب .. زي الوباء وبتحسي جد لازم نلحق حالنا

      يا رب ترتاحي على الحمية :) كل التوفيق!

      حذف
  6. بسبب تعلقنا الزائد بالهاتف ،لم يعد لنا وقت للتفكير ،لتنظيم امورنا ،أصبحنا منشغلين به تماما ....
    شكرا روان ع التدوينه الرائعه 💚

    ردحذف
    الردود
    1. الشكر لك أريج على المرور والتعليق :)

      حذف
  7. الردود
    1. هاهاها .. ضحكتني هيثم :)

      أهلا وسهلاً بأي وقت

      حذف
  8. لا أعلم على أي موضوع آعلق !! مدونة ثرية جداً روان.. ولغتك واسلوبك جذاب جداً سعيدة بمتابعتك جد:)

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً يا فاطمة! سعيدة جداً أن المدونة أعجبتك و بصراحة أنا شاكرة لمرورك وتعليقك :)
      اطلعت على مدونتك أيضاً وأعجبتني وصفاتك وتصويرك ما شاء الله ^^ أتشرف بمتابعتك أيضاً ؛)

      حذف
  9. العزيزة روان،
    أتابعك مدونتك المميزة منذ سنتين تقريباً وقد قادتني إليها عشوائية التصفح ولا أذكر تحديدا كيف :)
    أشكرك بعمق على هذه التدوينة الرائعة التي قلت فيها ما يعتمل بداخلي بعد سنتين نظيفتين تماماً من الفيسبوك إلا أنني لم أستفن عن انستاغرام أيضاً وتخليت عن تويتر بعد الكم الهائل من الإحباطات على مدار الساعة.

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً أفنان على المرور والتعليق! :)
      متابعتك المدونة شرف لي، وتشجيع على الاستمرار بالتدوين ^^ أنا شاكرة لك

      ما شاء الله .. أهنئك على تخليك عن الفيسبوك وتويتر .. بالنهاية لسنا بحاجة إلى ما يسمم حياتنا ويصيبنا بالإحباط. أنت محقة.
      ويا رب الله يهدينا لحسن استخدام انستجرام بشكل لا ينفرنا من هذا التطبيق الذي نميل إليه :)

      كل التوفيق! وشكراً مرة أخرى على تعليقك اللطيف ومرورك

      حذف

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...