أنا أحب العيد.
لكن في كل عام تتسلل إلى قلبي خيبة أمل صغيرة لأن العيد لم يعد جميلاً كما كان عندما كنت في السابعة من عمري. عندما كنا نسكن في حي يعجّ بالأطفال، ونتفق أن نذهب مع أولاد الحارة مشياً إلى الدكان لنشتري بميزانية أكبر بقليل من الأيام العادية حلوى وسكاكر لها في ذلك اليوم مذاق خاص. عندما كان الكبار يضعون زينة ملونة في العمارة وتعلق أمي في غرفة المعيشة زينتها الورقية المميزة التي اشترتها من "الشام" والتي تتناغم مع أغنية صفاء أبو السعود الشهيرة "العيد فرحة" التي كانت تبث باستمرار على محطة التلفاز المحلية. عندما كنا نستحم ونرتدي ملابسنا الجديدة المليئة بالكشاكش والإضافات الاحتفالية ونذهب ونحن نشعر أننا بكامل أناقتنا لممارسة تقليدنا العائلي بالتقاط صورة تذكارية في ستوديو روبينا.
وكردّ فعل مقاوم، أحاول في كل عام وأنا بالغة راشدة (ومملة؟) أن أجعل من العيد حدثاً سعيداً. أنا متصالحة مع أنه لن يكون بجمال العيد كما كان في التسعينات من القرن الماضي، لكني لا أقبل بالجلوس على الأطلال وأن أجعله يمر كأي يوم عادي.
والآن، ونحن نمر بفترة يرى البعض أنها "تاريخية" مع حالة الحظر والحجر المنزلي والإغلاقات وكل الترتيبات المستحدثة مع فايروس كورونا، ما أحوجني لعصف ذهني مبتكر وشحذ كل مخزون الطاقة الاحتياطي لأجعل من هذا العيد عيداً سعيداً.
بعد التفكير وإجراء عدد من النقاشات مع أفراد العائلة، الآتي مقترحات لاستشعار العيد في على الرغم من ظروف الحجر والحظر الشامل:
1. الاستمتاع بالنظافة
أ) تعزيل البيت والاستمتاع بنظافته
أعلم أن هذا البند قد يسبب التذمر لدى الكثيرين، فما الممتع في أعمال تنظيف شاقة لمطاردة الغبار في الزوايا وتلميع الأسطح؟
لكن دوافعنا هذا العيد مختلفة، فنحن ننظف لأهل البيت وليس تجهيزاً لاستقبال الضيوف. القاطنون في البيت هم من سيستمتع برائحة النظافة والمشي حفاة القدمين على الأرض النظيفة خلال فترة العيد. ثم لا عيد سعيد بدون بيت لامع ونظيف.
ب) تغيير الملاءات والشراشف وارتداء بيجاما نظيفة ليلة العيد
جرعة سعادة فورية مضمونة النتائج، خصوصاً إذا توافقت مع النقطة التالية.
ج) حمام العيد مع نشاطات عناية شخصية إضافية كعمل قناع للوجه أو حمام زيت أو أي شيء يبعث على السعادة والاسترخاء.
2. زينة يدوية الصنع
يفضل أن ينخرط في هذا النشاط أكبر عدد ممكن من أفراد الأسرة على اختلاف أعمارهم وقدراتهم الفنية. كما ينصح بوضع الزينة في مكان مرئيّ للجميع ويجلس فيه الجميع باستمرار كالمطبخ أو/و غرفة الجلوس. يمكن الاستعانة بأفكار من اليوتوب وانستجرام للاستلهام، كما يفضّل إعادة تدوير ما في متوفر في المنزل بشكل خلّاق لصنع الزينة.
3. عمل طبق احتفالي يحبه الجميع في البيت
بالإضافة إلى الفطور الكبير أول أيام العيد، يمكن عمل طبق، سواء كان طبقاً رئيسياً لوجبة الغداء أو العشاء أو سلطة أو طبق حلويات، على نيّة تفريح أفراد العائلة. بالإضافة إلى التركيز على الإعداد المتقن، ينصح بالاهتمام بالتقديم لأنه كما هو متعارف "العين يلي بتاكل" ولأن الأطباق الوسيمة لديها قدرة عالية على التفريح وتحسين المزاج.
4. لا لعيد بالبيجاما
رفض قطعي لقضاء العيد بملابس النوم. يمكن التساهل بالسماح بتناول الفطور بملابس النوم، ولكن على جميع الراغبين بالشعور بالعيد الاستيقاظ باكراً وسماع تكبيرات العيد ثم تغيير ملابسهم وارتداء ملابس جميلة. ليس بالضرورة ملابس الخروج، بل ملابس منزلية مريحة ومرتبة ومتناسقة.
في السّنة النبوية الشريفة من المستحب ارتداء *قطعة* جديدة، لذلك سأرتدي جورباً أهدتني إياه سابقاً صديقتي نور ولم أرتده بعد.
5. نشاط مشترك مرح
اقتطاع وقت من حالة التحديق المستمرة بشاشات الهواتف الذكية لعمل نشاط محبب بشكل جماعي. لا تحب عائلتي الشدة ولا الألعاب اللوحية، لذلك نفكر في مشاهدة شيء على التلفاز. لم تتوصل العائلة لقرار بعد، فأفلام الأبيض والأسود إيقاعها ممل بالنسبة لأمي، وأبي لا يحب المسرحيات المصرية الكوميدية ولا نزال نفكر في مادة خفيفة ظريفة بدون دراما للعيد تجعنا نضحك مع ميول نوستالجية واضحة لدى الجميع.
6. معايدات هاتفية
هناك اتجاه واضح ومتزايد لتفادي التواصل البشري ما أمكن، لكن لا.. ليس في العيد!
يفضل أن تكون المعايدات صوتية ولا تحبّذ الرسائل النصية للأقارب والأصدقاء المقربين. نحن بحاجة لسماع أصوات بعضنا، لالتقاط زفرات من هم بعيدون عنا، لسماع ضحكات من نحب وللإحساس بهم عوضاً عن رسائل واتساب نصية "قص ولصق" مفرّغة من المعنى. كما أن العيد فرصة للتواصل مع أصدقاء نحبهم ولم نسأل عنهم منذ فترة طويلة، وبالأخص من يسكنون خارج البلاد.
شخصياً أقوم في كل عيد بعمل قائمة بأسماء الأصدقاء والزملاء السابقين الذين أود الاتصال معهم حتى لا أنسى أحداً. وفي حال لم أنجح - لسبب ما - بالاتصال بهم جميعاً، آمل أن أكون أخذت أجر النية إن شاء الله.
الأفضل أن تكون المكالمات الهاتفية للمعايدة قصيرة نسبياً، بحيث يتبادل الطرفان المعايدات وأبرز الأخبار للاطمئنان على بعضهما. لذلك تجدر الإشارة في بداية الاتصال أنه لا نية للإطالة، ويمكن ختم الاتصال بقول "أردت فقط سماع صوتك والاطمئنان عليكم والمعايدة عليك شخصياً .. كل عام وأنت والأهل بخير وتقبل الله طاعاتكم".
من تجربة، الاتصالات الهاتفية لها أثر كبير في صلة الأرحام وعلى نفوس الناس. فهي إنسانية أكثر من الرسائل النصية الجامدة وفيها مجهود إضافي يقدّره الأهل والأصدقاء ويشعرهم بالاهتمام.
كانت هذه اجتهاداتنا، على أمل أن تعطيكم بعض الأفكار وشيئاً من الإلهام. إذا كان لديكم أي اقتراحات أو مخططات لهذا العيد، لا تترددوا بمشاركتها في التعليقات.
كل عام وأنتم بصحة وعافية وتقبل الله طاعاتكم.
































