قرأت لكم


تطلب جذب اهتمامي بالنتاج الأدبي لسنان أنطون اقتباس عابر عن الشتات ذُكر على مسمعي في حوار مع أحد الزملاء في الجامعة. وعلى الرغم من ضيق الوقت واقتراب موعد الامتحانات النهائية، وجدت نفسي مدفوعة إلى قراءة بضعة أعمال للكاتب وهي: "يا مريم"، "وحدها شجرة الرمان"، و"ليل واحد في كل المدن".
ذكرتني الروايات برواية "فرانكشتاين في بغداد"، وكأن هناك صنف أدبي جديد يتناول الرواية العراقية بعد الغزو الأمريكي بشكل مؤلم يعتصر قلب القارئ/القارئة ويسبب الحسرة والألم على ما آلت إليه الأمور. اللغة جميلة بشكل سلس وغير متكلف والأحداث محبوكة بدون إطالة.

الاقتباس التالي من "يا مريم":




كل شيء يبدو منطقياً في الصباح




هناك صباحات مشرقة، وأخرى غائمة وماطرة.
تبين أنه في أماكن عديدة من هذا العالم، هناك العديد من الصباحات المتتالية دون شمس ، فقط إنارة باهتة منعكسة من سماء بلا لون.
لكن كل الصباحات جميلة بلا شك.


هناك اقتباس جميل على لسان الشخصية الرئيسية في أحد أعمال غسان كنفاني "القميص المسروق" يقول فيه:
"وصلت إلي الرصيف المقابل للفرن في ساعة مبكرة جداً، وكان النهار ما يزال محتفظاً بطعم النوم، وغير قادر بعد على أن يكون حقيقياً تماماً، كأنه لم يسحب نفسه بصورة كاملة من عالم الأحلام الصامت."


وهناك اقتباس آخر أحبه كثيراً من كتاب آلة الزمن للكاتب هيربرت جورج ويلس:
"قد يبدو الأمر جدير ظاهرياً بالتصديق هذه الليلة، لكن انتظر حتى صباح الغد. انتظر.. فكل شيء يكون منطقياً في الصباح."


فكرة أن الحياة تمنحنا كل يوم فرصة جديدة للبدء من جديد أمرٌ باعث على الارتياح.

كيف تكنكن في مكان جديد


 هناك نوع من "الانتماء" للمكان  لا بد من الشعور فيه حتى يكون التأقلم ممكناً. لم يكن من السهل في الأسابيع الأولى إرفاق ضمير الملكية على غرفتي/سكني/جامعتي دون أن أعرف أبعاد المكان وموقعي المادي والمعنوي فيه، لكن الآن وبكل ثقة أستطيع أن أقدم نصائح أو أفكار قد تساعد في التواصل مع مكان جديد. ليس من الضروري أن يكون بلداً آخراً، يمكن تطبيق ذلك على سكن جديد، مدينة جديدة، أو حتى مكان عمل جديد.

١. الإضاءة
بعد التجربة؛ لا شيء أسوأ من الإضاءة الخافتة الكئيبة. إن كانت الإضاءة الرئيسية في المكان ضعيفة، يمكن حل هذه المشكلة بإضافة إضاءة جانبية. شخصياً أفضل الإضاءة المائلة للصفار وأراها أكثر دفئاً (مقارنة بالإضاءة البيضاء). لحسن الحظ يتوافر حالياً العديد من البدائل الجيدة بأسعار متنوعة وموفرة للطاقة في نفس الوقت. هذا لا يعني الاستمرار بالإضاءة الساطعة على مدار الساعة، لكن توفر خيارات للتحكم بدرجات الإضاءة مهم، كالمصباح الجانبي للقراءة قبل النوم مثلاً.

قبل وبعد

٢. مشاركة المكان مع كائن حي
أحب الحيوانات الأليفة لكن في هذا السياق أفضل خيار هو النباتات. "العِرق الأخضر" كما يقولون قادر على إضافة حياة و روح للمكان بشكل بديع. نباتاتي هن شريكاتي في السكن، أفرح عندما تتجدد أزهارهن أو حتى عندما أرى براعم جديدة :) وعندما أرى تربة الحوض الصغير تغبّ بسرعة الماء الذي أستخدمه للسقي أبتسم دوماً وأتخيلهن يشعرن بالارتواء كما نشعر عندما نشرب أول شربة ماء بعد صيام يوم صيفي حار. كما أتحين وقت الضحى حتى أضعهن في البقعة المناسبة من الشباك لأتأكد أنهن يحصلن على كمية كافية من أشعة الشمس.


٣. الاستثمار دائماً مجدي في الفطور
بالإضافة إلى كونها عادة صحية، فإن تناول فطور جيد يمنعكم من الشعور بأنكم مثيرون للشفقة.
لا شيء محزن أكثر من بدء اليوم بمعدة فارغة، وللأمانة القهوة غير محسوبة.
خلال أيام الأسبوع أتناول الحليب مع الحبوب والفاكهة، وفي عطل نهاية الأسبوع "أطبشها" وأتناول بيض!


من علامات التأقلم والاستقرار إيجاد المنتجات المناسبة وتقييم العلامات التجارية ومعرفة الجيد منها. استغرقني الأمر عدة أسابيع حتى أعثر على خلطة الشوفان والغرانولا المثالية. حاولت تجربة عدد من المنتجات وكان هناك العديد من المقالب، وعندما يعيش المرء وحيداً يكون مجبراً على استهلاك وإنهاء كل ما يشتريه حتى إن لم يعجبه. لكن لحظة الانتصار تكون بعد عدة أشهر عندما تشعرون بأنكم تعرفون جيداً ماذا تريدون وماذا تحبون ولا داعي للتحديق بالمكونات والأسعار في أقسام الفطور والأجبان وغيرها من المواد الغذائية.


نصيحة أخرى هي الخضار والفاكهة الطازجة لأنها تحسن المزاج بشكل ملحوظ. معظمنا يقضي وقتاً طويلاً خارج المنزل للذلك نحتاج للألياف والسكريات الطبيعية ومضادات الأكسدة.
سأضطر للمقارنة هنا؛ فقد كان ملفتاً بالنسبة إلى مراقبة ماذا يحضر طلاب الجامعة معهم إلى الجامعة وماذا يتناولون. فرق شاسع بين وجبات الطلاب في "الشرق" و"الغرب". من المثير للغيرة رؤية الوعي الغذائي للألمان على سبيل المثال، كيف يوضبون أطعمة مغذية سهلة التحضير ودائماً لديهم فاكهة موسمية في حقائبهم. يبدو أن "جماعتنا" اتكاليين بشكل طفولي ولا مسؤول. أذكر جيداً كيف أن زملائي في العمل كانوا يعلقون علي لأني أحب الخضار وحتى أن في شغلي السابق كان زميلي يقول لي أني "رايقة" لأني أحضر فاكهة وعندما أعرض عليه برتقالة كان يقول لي أنه "يتكاسل" عن تقشيرها (!!!)
يبدو أن شخصية الطفل الشقي الذي تلاحقه والدته باللقيمات تبقى متأصله لدى العديدين.


٤. إضافة عناصر مرتبطة بذكريات جميلة حديثة
الكلمة المفتاحية في العنوان الفرعي هي "حديثة". التذكارات التي نحضرها معنا من بلادنا مهمة لكنها في الأسابيع الأولى التي نشعر فيها بالاشتياق والحنين للوطن تكون حلوة مرة وباعثة على شيء من الألم. لذلك، نحن نحتاج إلى تذكارات بسيطة من صداقات جديدة وبطاقات متاحف وخرائط وبطاقات بريدية وغيرها.



شخصياً لا أحب الدباديب والألعاب لكن عندما ذهبنا أنا وصديقتي الصينية في رأس السنة الصينية إلى القرية الصينية في لندن كان هناك فعاليات وألعاب وهدايا مجانية وحصلنا على دجاجتين لأنها كانت"سنة الدجاجة".
لم أكن أتخيل أن أحب دجاجتي بهذا القدر، أبتسم كلما أراها لأنها تجلب لي ذكرى جميلة كلما نظرت إليها.



٥. التعود على استخدام الحمامات العامة
نعم نعم .. يبدو ذلك غريباً لكنه حقيقة. التعايش يا إخوان .. التعايش ضروري جداً.
الحياة أقصر من أن نحتفظ بالسموم داخل أجسامنا ونرهق الكليتين ونجهد البشرة ونحن نتجنب شرب المياه والذهاب إلى الحمام. لا داعي لذكر فوائد شرب المياه، لكن على الأقل يقتضي التنويه أن الطلاب والموظفين يحتاجون لشرب كميات وافية من المياه لزيادة نسبة التركيز وتحسين الأداء.

النصيحة الأولى: استكشف/ي الحمامات في المباني والطوابق المختلفة، وتجنب/ي الحمامات الموجودة في الطوابق الأرضية لأن عليها حركة دائمة. تسلل/ي إلى الحمامات في الطوابق الإدارية وفي طوابق مكاتب أعضاء هيئة التدريس أو الأماكن التي ليس فيها مراجعين.

النصيحة الثانية: احمل/ي معك دائماً قنينة مياه صغيرة (٢٥٠-٣٠٠مل) فارغة (حتى لا تكون حملاً زائداً) واجعلها/ي مخصصة للحمام. عند الدخول مباشرة املأها/ي بالماء واحمل/ي دائماً مناديل إضافية احتياطية.


٦. ادحش/ي حالك
من أهم الأمور التي تسرع التواصل مع المكان والانتماء له (ولو مؤقتاً) هو تكوين علاقات وصداقات جديدة. الجميل في التجارب الجديدة أن العلاقات طازجة وتستطيعون دائماً ترك مسافات أمان. بصراحة كلما كانت العلاقات سطحية في البداية كلما كان أفضل.

النصيحة الأولى: في الأسابيع الأولى التركيز على الكم وليس النوع. لا داعي للبحث عن صداقة العمر في الأسابيع الأولى من الاستقرار، سيكون هناك توقعات وخيبات أمل وفرص كبيرة للارتباك. تدريجياً ستتوضح الأمور وستظهر أبعاد الصداقة والزمالة ومشاركة السكن وستكرر بعض الوجوه ويختفي بعضها. وسبحان الله غالباً ما تكون المشاعر متبادلة، ففي حال أحببتم شخصاً ما سيكون ذلك الشخص أحبكم في المقابل وستجدون أوقاتاً لعمل نشاطات مشتركة وقضاء وقت ممتع ومع الوقت قد يصبحون أصدقاء عمر :) لا أحد يدري.

النصيحة الثانية: اغتنام كل الفرص المتاحة للذهاب إلى أنشطة وفعاليات والتعرف على أشخاص جدد. طبعاً ليس أمراً محبباً، وبالتأكيد إنه أمر صعب وباعث على الرهبة، لكنه مثل الرياضة، كلما مارسناه أكثر أصبح أسهل وأصبح لدينا لياقة لكسر الجليد مع الآخرين وفتح مواضيع معهم غير الطقس ودرجات الحرارة.
إنها فرصة ذهبية لتنمية مهارات التواصل وتعزيز الذكاء الاجتماعي، خصوصاً إن كان الأشخاص من خلفيات مختلفة ومتنوعة.

الصورة التالية أخذت في رحلة لهواة المشي لمسافات طويلة:


وهذه كانت في رحلة تسلق للمجتمع الإسلامي:


بالطبع أتبادل التحية مع كل الأشخاص الذين تعرفت إليهم في هذه الرحلات عندما أراهم، وبعضنا أصبح يلتقي لتناول وجبة غداء أو احتساء مشروب ساخن من فترة لأخرى. تلك الأنشطة بداية رائعة لصداقات لطيفة.

أتمنى أن تكون النصائح السابقة مفيدة. لن أقول أني تعلمتها بالطريقة الصعبة لكن كانت ستوفر علي بعض الوقت والإنزعاج في حال كنت سمعتها في وقت أسبق.

هل لديكم نصائح أخرى مستوحاة من تجارب شخصية؟



"محاضرتي في مجلس الشيوخ"


تم حديثاً ضم مبنى "مجلس الشيوخ" أو ما يطلق عليه "السينيت هاوس" لمباني معهد الدراسات الإفريقية والشرقية - جامعة لندن. جزء يسير من المبنى المهيب تم تخصيصه للجامعة التي قامت بتحديثه وإعاده تأهليله ليصبح مركزاً لعدد كبير من الأنشطة والمحاضرات والمساحات التعليمية.



ما المميز في هذا المبنى؟

هناك مصادر تقول أن هتلر عندما أراد دخول المملكة المتحدة وقت الحرب العالمية الثانية أراد الاستيلاء على هذا المبنى وجعله مقراً للنازية في لندن نظراً لموقعه الاستراتيجي في وسط المدينة وعلوه الشاهق (لأنه مكون من ١٩ طابقاً) ولهندسته الباعثة على الرهبة.

تجدر الإشارة أن المبنى المستخدم حالياً كمبنى إداري لجامعة لندن وما يندرج تحتها من مؤسسات تعليمية ومراكز للأبحاث ومكتبات رسمية، ضم في مرحلة ما "وزارة المعلومات" وهو قسم حكومي كان مسؤولاً عن الدعاية والبروباغندا وقت الحرب العالمية الأولى وهو القسم الذي أطلق الشعار الشهير: Keep Calm and Carry On، (حافظ على هدوئك واستمر).

عملت في هذا المبنى زوجة الكاتب الشهير جورج أورويل، ويقال أنه استوحى الكثير من رواية ١٩٨٤ من تجربة زوجته المهنية في وزارة المعلومات.
عند المشي في أروقة المبنى الداخلية، ورؤية الممرات الضيقة وفتحات التهوية المريبة، فهمت - بأثر رجعي - رواية ١٩٨٤ أكثر!

يثير المبنى مشاعر مختلطة عندما أراه كل يوم، لكنه بلا شك مثير للاهتمام.


في حال كنتم ترغبون بتذكار لندني يذكركم بهذا المبنى الذي أراه كل يوم وآخذ فيه محاضرات مرتين في الأسبوع، يمكنم المشاركة بالتعليق على هذه التدوينة شريطة أن يكون لديكم (أو لدى أحد من معارفكم أو أصدقائكم) عنوان بريدي. سيكون السحب يوم الثلاثاء القادم على ثلاثة كروت كلاسيكية تحمل الشعار الشهير "حافظ على هدوئك واستمر". سترسل إلى الفائزين في البريد :)



تعلن النتائج على حسابي الشخصي في انستجرام.


أبواب


لا أدري ما هي جاذبية الأبواب لكنها غالباً ما تبدو مغرية للتصوير. قطعة من الخشب أو المعدن تحول بين عالمين، يكتنفها الغموض لأن ورائها مجهول يفصلها عن صخب العالم الخارجي ونظرات الفضوليين.










من هنا وهناك


الحياة الجامعية هنا متطلبة جداً! أقضي معظم وقتي في الجامعة بين المحاضرات والمكتبة. وأحياناً أشعر بالأسف أنه ليس لدي وقت لأكتشف المدينة الجديدة التي أسكن فيها، وأتسائل إن كنت أضيع على نفسي فرصة ثمينة قد لا تتكرر مرة أخرى. لكن ما العمل؟ جئت إلى هنا للدراسة (هذا ما أخبر به نفسي دوماً)، والتوازن أمر صعب بالنظر إلى كمية العمل المطلوبة مقارنة بالوقت المتاح.

قلة وقت الفراغ تجعلني متيقظة جداً حتى في أصغر المشاوير. أحاول أن "أعصرها" قدر الإمكان في نهاية الأسبوع وأن أستمتع برفقة الأشخاص الذين يقترحون أخذ استراحات سريعة في أماكن قريبة.
 سعيدة أني تمكنت من تجميع الصور التالية خلال الشهرين الماضيين.





جمعة مباركة


ليس من السهل المحافظة على خصوصية يوم الجمعة في الدول الغربية، لكنه أمر قابل للتطبيق إن تمت برمجة يوم العمل الأخير في الأسبوع وفقاً لذلك. يمكن تحقيق ذلك من خلال تخصيص وقت مستقطع لصلاة الجمعة وحضور الخطبة وقراءة سورة الكهف. لكن سر النجاح من تجربتي الخاصة هو الانخراط في "المجتمع الإسلامي" في المدينة/الجامعة/الحي ...الذي تسكنون فيه.
فالمجتمع الإسلامي أكثر تنوعاً وحماساً مما نظن على فكرة، ليس مجتمعاً جامداً أو شديد الجدية، على العكس مجتمع حيوي ومرح وفيه ألفة "عائلية" كبيرة. الأمر الذي يمنعني من تفويت أي حدث أو نشاط وبالطبع صلاة الجمعة.

مسجد لندن المركزي

استطعنا الذهاب إلى مسجد لندن المركزي مرة واحدة حتى الآن، لكن غالباً ما أصلي الجمعة في مصلى الجامعة.

كل يوم جمعة هناك قاعتان محجوزتان للصلاة وبينهما سماعة، واحدة للشباب وأخرى للبنات، تكون الخطبة مزيج من اللغة العربية واللغة الإنجليزية (وهو أمر مثير للاهتمام بالنسبة إلي)، ومن الرائع رؤية أهمية هذا الحدث الأسبوعي والأعداد التي ترتاده، سواء من جامعتنا أو من الجامعات المجاورة، لدرجة أن القاعات أحياناً لا تتسع للجميع ويضطر البعض إكمال الصفوف في الصالة المؤدية إلى تلك القاعة.

لا تكون الخطبة طويلة وحتى الآن كانت المواضيع جميلة جداً. الجمعة الماضية تكلم الإمام عن الاحترام والتقبل وأن معيار التفاضل في الإسلام التقوى، وهو الأمر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله كون التقوى في القلوب. وأردف أن لا مكان للعنصرية في الإسلام وقال: "تلفتوا حولكم وانظروا إلى جانب من تجلسون، تستطيعون أن تروا أن هذا الدين للجميع".
في تلك اللحظة اقشعر بدني حقاً وترقرت الدموع في عيني. لقد كان ذلك بليغاً جداً، فالقاعة كانت ممتلئة بأعراق مختلطة، أفارقة ببشرة داكنة، وآسيويات يتسمن بالطبع الهادئ، باكستانيات وهنديات بلكنة بريطانية خالصة والعديد من الخلفيات العربية وغير العربية الأخرى.
استشعر بالفعل - خصوصاً في الجامعة - ودون أن يقول لي أحد أني جزء من عائلة كبيرة. هناك معرفة ضمنية أني جزء من كلّ، وأننا في تلك المجموعة نحترم بعضنا ونساعد بعضنا ونتبادل الابتسامات وتحية "السلام عليكم" في الممرات، وفي المواصلات العامة، وحتى في الشوارع.


مصلى النساء في الجامعة 




صورة بعد انتهاء صلاة الجمعة

في أسبوعي الأول في لندن ولمجرد ارتدائي الحجاب اكتشفت أن لدي الكثير من الإخوان والأخوات :)

من اللطيف جداً أن يناديني شخص لا أعرفه ب sister ليسألني إن كنت أريد مساعدة أو لا. على سبيل المثال؛ كنت في أحد الأيام الباردة في طريقي إلى الجامعة، لكني توقفت لشراء شوكولاته ساخنة، عندما طلبت سألتني الموظفة إن كنت أريد مارشميلو في كوبي فأجبت نعم بدون الكثير من التفكير، بعد قليل لاحظت شيئاً من الارتباك بين الفتاة وزميل لها، وفجأة اقترب الشاب وسألني: "سيستر .. في المارشميلو جيلاتين مستخرج من الخنزير، عادي؟" أجبت: "لا!" قال: "بدون مارشميلو؟" فقلت: "نعم لطفاً". نظرت إلى بطاقة التعريف الملصقة على زيه فوجدت أن اسمه نور. فابتسمت له وابتسم لي وشكرته على التنبيه وذهبت في طريقي وأنا سعيدة بكوبي الساخن ال "حلال".

إنها مواقف صغيرة، لكن بصراحة لديها القدرة على إمداد قلبي بالدفء والسعادة.


قرأت لكم



الاقتباس التالي من كتاب إدوارد سعيد "تعقيبات على الاستشراق":

كيف يقوم إنتاج المعرفة بالخدمة الأفضل للأغراض الجماعية بوصفها نقيض الأعراض الفئوية؟
كيف يمكن إنتاج معرفة غير مهيمنة وغير عسفية في أجواء منخرطة بعمق في سياسة واعتبارات ومواقف واستراتيجيات السلطة؟

في هذه الحالات المنهجية والأخلاقية من إعادة النظر في الاستشراق سوف أشير على نحو واعٍ تماماً إلى مسائل مماثلة أثاراتها التجارب النسوية أو تجارب المرأة، ودراسات السود والإثنية، والدراسات الاشتراكية أو المناهضة للإمبريالية، وجميهعا تستمد نقطة انطلاقها من حق الجماعات البشرية التي لم تُمثل أو أُسيء تمثيلها من قبل، في التعبير عن وتمثيل نفسها في ميادين جرى تحديدها سياسياً وفكرياً بحيث تقصي تلك الجماعات وتغتصب وظائفها الدالة والممثلة وتطمس واقعها التاريخي. وباختصار، فإن إعادة النظر في الاستشراق من هذا المنظور الأعرض والتحريري لا ينطوي على أقل من خلق موضوعات جديدة لنوع جديد من المعرفة.


خاطرة بنان: الطريق إلى الغايات


هذه التدوينة مشاركة عميقة - أثرت فيي شخصياً - من الصديقة العزيزة بنان طويلة.

لمن لا يعرف بنان؛ بنان فتاة ذكية ومميزة، عندها حضور آسر (إلكترونياً وعلى الطبيعة)، ولديها حس ثوري تستطيع اكتشافه بسهولة عندما ترى نظرتها الواثقة على وجهها المبتسم الودود وعندما تستمع إلى بحّة صوتها الجميلة وهي تتكلم بشغف.

من خلال بنان عرفت أنه يمكن أن تلتقي بأصدقاء تشعر وكأنك تعرفهم من حياة سابقة، فلا تستطيع أن تنكر شعور التقارب بينكم على الرغم من حداثة التعارف الرسمي، وبعد لقاء أو اثنين تقطعون العديد من الأشواط لوجود الكثير من القواسم المشتركة والأهم من ذلك "الكيمياء".

نتفق بنان وأنا على أن عالم التدوين عالم جميل حقاً، منصة أصيلة وحقيقية غير مزيفة تجمع العديد من الأشخاص الذين لديهم ما يقولون وما يشاركون مع هذا العالم، بعيداً عن مواقع التواصل الاجتماعي ذات الإيقاع السريع والمحتوى سهل الهضم والجمهور سريع النسيان.

الخاطرة التالية من خواطر بنان:


لن تصبح سعيداً، ولا غنياً ولا حتى قوياً بشكل فجائي.
لن تصبح ناضجًا بشكل غير مفهوم ،لأن نضجك هو كمّ التجارب التي مررت بها والعبر التي لقنتك إياها الحياة و أنت تصارع لوجودك و كينونتك فيها. حتى وإن كانت هذه التجارب بطيئة جداً في الخط الزمني الموجود في عقلك.
نضجك هو كدّك و أنت تحاول ما استطعت معرفة محتوى هذه الكينونة و أساليب تفاعلها المتوقعة وغير المتوقعة أحياناً.
لم تكن تعلم أن باستطاعتك تحمل هذه المِحنة ، أو أنك ستضطر أن تختار مصيرك بهذه العجلة ،أو أنك مضطر لاستيعاب هذا النوع من الناس ، أو إدارة أصغر أزمة في حياتك ابتداء من أول قسط بنكيّ.
لم تعلم بأن كل ما في حياتك يطالبك بهذا الخيط الرفيع المسمى "التوازن".
لم تكن تعلم بأنك ستمرّ بكل هذا حتى، ولكنه مررت به ومرّ بك و شكّلك.



لن تستيقظ صباح أحد الأيام سليماً تماماً من كل ما تتمنى الانتهاء منه أو تحلم أن تقفز عنه في أقرب فرصة فتصل مبتغاك، لكنك حتماً ما دمت تحيى وتتعلم وتتزن كل يوم أكثر فأنت أقرب. ما دمت تتعلم و تتذكر أنت أحكم.
لسنا هنا لنصل إلى الغايات فحسب، لكننا هنا لنتفقه طريق السلامة إليها.



- "كيف عّم تعاملك الحياة؟"
- "هية المنقل وأنا سيخ المشاوي، كل ما يستوي جنب بتقلبني عالتاني"


فرصة ثانية للحصول على تجربة جامعية


تجربتي الجامعية الأولى كانت في عمان في الجامعة الأردنية، استمرت لثلاث سنوات ونصف وبعدها هربت إلى اسطنبول حتى أني فوّت حفل التخريج لأنه بصراحة لم يعنِ لي الكثير.

لم أكن أتواصل مع الهيئة التدريسية، فقد كنت نكرة؛ مجرد رقم يجب أن يظهر وقت أخذ "الحضور والغياب". أما عن المواد الدراسية، فقد كانت جامدة وشكلية، والتقييم محصور باختبارات للذاكرة، لا بحث علمي ولا تفكير نقدي ولا ما يحزنون. كما كان معظم الطلاب في كلية التجارة وإدارة الأعمال .. لنقل "مختلفين".
لا .. لحظة لحظة .. ليس لدي أية مشاكل مع الاختلاف هم أرادوا أن يشعروا باختلافهم عنّا - نحن الذين لا نشبههم - ، كانت مشكلتي معهم أنهم كانوا صور نمطية مكررة وممسوخة، منسلخة عن المجتمع الذي ينتمون إليه وتحاول عبثاً الالتصاق - عن بعد- بأقرانهم المراهقين في الولايات المتحدة والغرب عامة. معظمهم كان من مدارس مختلطة خاصة، وكانوا يتكلمون باللغة الإنجليزية فيما بينهم، ينظرون بدونية للآخرين، ويرتدون ملابس متشابهة وعلامات تجارية باهظة الثمن. (انظر مقال ياسر أبو هلالة "وزراء عيالنا")

الشيء الوحيد الذي اكتشفته في السنة الثالة - وهو توقيت متأخر نسبياً - : العمادة و وحدة الدعم الطلابي. فيها أنشطة غير منهجية ودورات متواضعة تفي بالغرض. فيها تعلمت القليل من لغة الإشارة، وأخذت دورات مثل اللغة الإسبانية، ومبادئ التصوير الفوتوغرافي (كانت دورة كوميدية بالمناسبة!)، وتطوعت لمساعدة الطلاب المكفوفين في الدراسة، حيث كنت أقرأ لهم المواد أو الكتب التي يريدون الاطلاع عليها، وكنت أرافقهم وقت امتحاناتهم فأقرأ لهم الأسئلة وهم يجيبون شفهياً وأنا أكتب لهم الإجابات. كانت هذه أجمل ما في تجربتي الجامعية بصراحة!

للأسف، أستطيع القول جازمة بأني أمثل شريحة كبيرة من الأردنيين والأردنييات التي لم تكن تجربتهم الجامعية مثرية كما يأملون. مجرد مرحلة للحصول على شهادة تؤهلهم للدخول إلى سوق العمل.

لذلك؛ أنا سعيدة جداً وممتنة للحصول على فرصة جامعية أخرى في جامعة لندن! وفخورة بأني طالبة دراسات عليا في قسم التنمية والتطوير في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية، أو كما يُطلق عليها "سُواس".


يمكن القول أن الجو العام في "سُواس" ودود ومرحّب بالجميع، فمعظم الناس - على اختلاف جنسياتهم وخلفياتهم ومعتقداتهم - الذين تستقطبهم "سُواس" يشتركون في العديد من الصفات والاهتمامات. مثلاً: معظم من التقيت بهم حتى الآن لديهم اهتمامات بيئية، ويعتبرون نشطاء في مجتمعاتهم في دعم الأقليات واستقبال اللاجئين، يتكلمون عدة لغات، وحتى اختياراتهم لملابسهم، فهم من النوع المسترخي الذي يكترث فقط للراحة وفيها الكثير من الألوان، عند الفتيات نرى الكثير من الشالات الملونة والأنوف المثقوبة وأقراط الأذن المستوحاة من التراث الإفريقي، أما عند الشباب فهناك شعر طويل (أحياناً مجدل أو كعكة من الشعر المجعد) وقمصان بنقشات مورّدة وملونة، وسراويل خضراء وخمرية اللون والقليل فقط من الجينز.

هل تعرفون أهمية "برج الساعة" كمعلَم في الجامعة الأردنية؟ في "سُواس" برج الساعة لديهم هو تمثال بوذا.
يلتقط كثير من الناس صوراً مع/لهذا التمثال، وليس من الغريب أبداً أن تتفق للالتقاء بشخص ويقل لك "أراك عند بوذا الساعة الخامسة" مثلاً.


دائماً هناك شيء مثير للاهتمام في الجامعة.
لقاءات ومحاضرات، اجتماعات لنوادي الطلبة، عروض أفلام، إشهار كتب واستضافة باحثين، وهو أمر جميل جداً لكنه يولد شيئاً من الضغط، فالطلاب ليس عليهم الاختيار بين الدراسة (وهي متطلبة وزخمة) وأنشطتهم الاجتماعية الأخرى وتلك الفعاليات الجامعية فحسب؛ في كثير من الأحيان يجب أن يختار الطالب أو الطالبة ما بين فعاليتين مجدولتين في نفس اليوم.


أحب أن أفكر أني أشبه "سُواس" وأن "سُواس" تشبهني، للأمانة فيها شيء آسر يجعل طلابها فخورين ومنتمين. في لقاءات الأسبوع الأول الترحيبي كانت رئيسة الجامعة تقول أننا نؤهل طلابنا ونساعدهم حتى يغيروا العالم. ربما يراه البعض مجرد كلام حماسي لكن الذين يرتادون "سُواس" يشعرون بأهمية آرائهم، ويرون طموح من حولهم، يؤمنون بأنفسهم لأن كل من حولهم يؤمنون بهم وبقدرتهم على التغيير.
من المحزن والمثير للشفقة أن الطلاب خاصة والناس عامة قد يعيشون عمراً كاملاً في بلادنا دون أن يحسوا يوماً بذلك الشعور.


Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...