لقيمات هنية


البعض يقولون عنه "غذاء للروح" وآخرون يصفونه بأنه "باعث على الراحة"؛ ما هو سر الطعام الذي يؤكل ويكون هنيئاً مرئياً في أيام لا يمكن وصفها بأنها مشرقة أو سعيدة؟ 


يقال أن هناك أنواعاً مختلفة مما يعده الناس طعاماً باعثاً على الراحة. هناك الطعام المرتبط بالنوستالجيا؛ كالبيض المقلي على طريقة الجدّة، أو طبخات مقترنة بالطقوس كأكلات اللبن في اليوم الأول من العام الهجري أو الميلادي، أو وجبات نشأنا على حبها منذ كنا أطفالاً وتشعرنا بالحنين إلى الماضي كلما تناولناها، كالأطباق التي تحضّر في المناسبات على غرار التبولة والحراق أصبعه وغيرها.


أما بالنسبة إلى البعض فإن الطعام الباعث على الراحة هو الطعام الغني بالكربوهيدات كالمخبوزات بأنواعها أو بالسعرات الحرارية و التي تكون فيه النكهات مركزة؛ الحلو حلوٌ جداً كالشوكولاته والبوظة، والمالح مملحٌ بسخاء كالبوشار والمكسرات ورقائق البطاطا، والحامض لاذع كالسكاكر المغلفة بملح الليمون.

يقال أن الراحة الناتجة عن ذلك النوع من الأطعمة لحظية، فبمجرد الانتهاء من الطعام تنتهي اللذة ويأتي محلها شعور مزعج بالامتلاء. لهذا السبب يصر الكثيرون على أن الطعام المريح هو ما كان سهل التحضير من جهة، وسهل الهضم من جهة أخرى.



عملية التحضير مهمة لأنها هي ما تجعل طعاماً ما "باعثاً على الراحة" أو كما نقول في لهجتنا "النَفَس".. فالخبرة وحدها أو التقييد بإرشادات الوصفة لا يكفي؛ نَفَس من يقوم بتحضير الطعام يحدد إن كان الطبق لذيذاً أم لا. كما يقال أن هناك أناس "نفسهم طيبة"، و أن من يأكل في بيوتهم أو من ضيافتهم "يتهنّى".


أذكر مرة أنني رافقت صديقتي وأمها إلى السوق الأسبوعي في أحد ضواحي اسطنبول في القسم الآسيوي. ونحن في السوق قالت الأم أننا قريبون من بيت أهلها وأن علينا الذهاب للسلام على الجد والجدة، وأن زيارتنا السريعة ستكون فرصة لأداء صلاة الظهر التي حان وقتها. بعد أن خلعنا أحذيتنا على الباب وقبّلنا يديّ الجدة، دخلنا على بيت صغير هادئ بنوافذ كبيرة، ستائره بيضاء ومشغولة جوانبها يدوياً بالسنارة. لم يكن الوقت قد حان لأي وجبة، فقد تخطينا الفطور ولا يزال هناك متسع من الوقت للغداء، لكن الجدة أصرت أن نتناول حساء خضراوات موسمية. قلت لها مجاملة أنه لا داعٍ لكنها قالت ببالغ الجدية: "حسائي لا يُفوّت .. حسائي فيه شفاء". ابتسمت من فكاهة الجدة، فهي مجرد شوربة خضار بالجزر المسلوق والكرفس، لكن ملامحها غدت أكثر جدية وقالت بنبرة تقارب العتاب على ابتسامتي المستهترة: "أطبخ طعامي بنية الشفاء، أريد أن أؤجر دائماً وأن يأكل من طعامي الأبرار."
كان لتلك الكلمات وقع كبير علي، جعلت من زبدية الشوربة تلك طعاماً مميزاً. استشعرت في كل لقمة بُعداً غريباً سائغاً و "مريحاً". وبقيت كلمات الجدة في بالي كلما حضرت طعاماً لعائلتي.




الاستعداد لمعرض الكتاب


حماس سنوي يرافق تعليق اليافطات واللوحات التي تعلن عن معرض عمان الدولي للكتاب. فعالية ثقافية سنوية ينتظرها الكثيرون ويشارك فيها دور نشر وكتاب وشعراء ويرتادوها محبو الثقافة والقراءة. بالطبع ليست فعالية شرائية بحتة، فالمعرض سيوفر مساحة عامة للكثير من أطياف المجتمع على اختلاف اهتماماتهم وتوجهاتهم وشرائحهم العمرية. ستكون فرصة جميلة لتصفّح عشرات (مئات؟) الكتب، وسماع مناقشات عرضية من هنا وهناك عن مختلف الموضوعات، ندوات وأمسيات شعرية، ورؤية آخر الإصدارات والمنشورات لمن نميل إليهم من كتّاب ومفكرين وروائيين.



لكني أعترف؛ يعتمر في داخلي مشاعر متضاربة عند مطالعة اللوحات الإعلانية لمعرض الكتاب السنوي في شوارع المدينة. مزيج من الحماسة والترقب الحذر، يرافقه صوت داخلي يذكرني بالكتب المكدسة في غرفتي، والمصفوفة على الأرفف أو بجوار السرير والتي تنتظر مني الانتهاء من قراءتها وحتى في بعض الحالات البدء فيها. منظر الكتب المركونة جميل بلا شك لكن فيه شيء من العتاب؛ تذكير دائم بالشعور بالتقصير، بالأولويات المشتتة والأموال المبددة.

























في نفس الوقت هناك جاذبية غامضة للكتب المطبوعة حديثاً بأغلفتها اللامعة ورائحة الورق الطازج والتي تجعل من مقاومة شراء الكتب على اختلاف أنواعها أمر صعباً يحتاج إلى إرادة قوية وضبط للنفس. كما قال شوبنهاور: "سيكون من الجيد شراء الكتب فقط إن تمكنا من شراء الوقت الكافي لقراءتها؛ لطالما اختلطت فكرة شراء الكتب مع تحصيل محتواها."

يمكن اعتبار معرض الكتاب تنبيهاً قوياً يوقظنا من الغفلة الثقافية التي نشعر بها بسبب أشباح منتجات الثقافة التي نستهلكها - بدون وعي في كثير من الأحيان - ونستمد منها معلوماتنا وأفكارنا مثل منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي لأشخاص لا نحبهم في الكثير من الحالات، أو فيديوهات إخبارية متبوعة بطرائف وغرائب وتجارب أداء لهواة في روسيا أو الولايات المتحدة، أوراق مصورة، جرائد إعلانية، أو رسائل محولة على مجموعة العائلة في تطبيق الواتساب..
تلك أوقات ضائعة يمكن إعادة توجيهها بتنظيم قائمة قراءة سنوية (حتى معرض الكتاب الثاني..؟ ربما؟) فيها كل ما أجلنا قراءته، أو ادعينا معرفتنا بمؤلفه أو رغبنا بالتأكد من كل الاقتباسات المنسوبة إليه.

لذلك قمت ببحث صغير، قرأت فيه تدوينات لنصائح قبل الذهاب لمعرض الكتاب، وحضرت بعض مقاطع الفيديو (لم أكمل معظمها بصراحة لأنها كانت مملة ومحتواها متعارض أو غير جذاب)، وحاولت سؤال من حولي من القراء ممن يحبون الكتب ومعارضها ويحرصون على ارتيادها، وخرجت بالنصائح التالية:

التخطيط أو العفوية؟

قبل الذهاب إلى المعرض، ينصح بالنظر في جدول الفعاليات في حال وجود فعاليات يرغب المرء بحضورها. مثالياً؛ سيكون هناك قائمة معدة بعناية لكتب قُرأت مراجعاتها على موقع الجودريدز أو كتب مقررة في نادي قراءة منظم للغاية، أو باتباع قائمة قراءة أحد العلماء أو المفكرين أو تلك التي تحتوي اقتراحات على غرار "١٠٠ كتاب عليك أن تقرأها قبل أن تموت". يمكن التقييد بتلك القوائم، مع مرونة لشراء كتاب أخرى من خارج القائمة إن كانت تبدو قيّمة أو مثيرة للاهتمام. 

في المقابل، الذهاب بقلب مفتوح ودون أي قوائم مسبقة للاستمتاع بتصفح الكتب واستكشاف موضوعات مختلفة، لكن تذكر أن تكون صادقاً مع نفسك  ومتأكداً من أنك ستقوم حقاً بقراءة الكتاب، حتى لا يتملّكك الشعور بالندم عند مجيء موعد معرض الكتاب التالي.


الوصول إلى المعرض

قد يشكل الوصول إلى المعرض تحدياً بالنسبة للكثيرين، لذلك يمكن الاعتماد إما على خيار المواصلات المعلت عنه على صفحة المعرض، أو الذهاب بالمركبات الشخصية أو العائلية، أو الاستعانة بأحد الأصدقاء ممن لديهم مركبات خاصة. 
يميل البعض للذهاب في أنشطة من هذا النوع بمفردهم، لحاجتهم إلى التركيز في اختيار الكتب وعدم رغبتهم بالتقيد بمواعيد مع أحد. لكن الذهاب في مجموعة، بالإضافة إلى أنه يؤمّن المواصلات، وصديق للبيئة، فهو تجربة لطيفة، وفرصة للاتفاق على شراء كتب وتبادلها لاحقاً، أو الاستعانة بنصائح أو معلومات عن الكتب والمؤلفين من أفراد المجموعة.

استغلال المعرض لأهداف متعددة
نظراً لأن البلد فقيرة بالمساحات العامة وفعالياتها محدودة إلى حد ما، فعلى الأغلب ستكون زيارة المعرض نشاطاً رائجاً وسيقبل عليه سكان المدينة ومن حولها، لذلك من المتوقع مصادفة الكثير من المعارف. قد يكونون زملاء في عمل سابق، أو أقرباء من الدرجة الثانية، أو أصدقاء قدامى تقطعت بينهم السبل.من الأجدى إلقاء التحية عليهم وعدم التظاهر بعدم رؤيتهم فلقاءات سريعة من هذا النوع قد تعني الكثير لمن حولنا وقد تضفي لمحة ودية على التجربة ككل. 

كما يمكن لمعرض الكتاب أن يكون فرصة للخروج وقضاء بعض الوقت النوعي مع أفراد العائلة الذين لا يتم الخروج معهم بكثرة في الأيام العادية، كمرافقة أحد الوالدين أو اصطحاب أطفال العائلة. من الملفت كثافة وجود الآباء مع أحد أبنائهم الشباب أو بناتهم اليافعات في معارض الكتاب. وهو أمر طبيعي ومحبب بالطبع لكننا لا نراه بنفس الكثافة في أماكن عامة أخرى. وهو الأمر الذي أكدّت عليه الكثير من صديقاتي حيث عبّرن أن الذهاب لمعرض الكتاب أحد الأنشطة القليلة المشتركة التي يقمن بها مع آبائهن منذ الطفولة. لذلك فالمحافظة على طقس عائلي أو استحداث واحد هذا العام، قد يكون فكرة جيدة. 

الميزانية

 إحدى أبرز المحددات التي تعيق شراء العديد من الكتب التي تبدو شيقة، أو التي كُتبت ملخصاتها على الغلاف الخلفي ببراعة بحيث توحي بأنها جد شيقة، هي النقود. سيكون هناك العديد من الخيارات والأغلفة الجذابة والأسماء الرنانة للكتاب لذلك يمكن إلقاء نظرة شاملة أولاً على أكبر عدد ممكن من الأجنحة وعمل تصفيات ذهنية ثم الرجوع للكتب التي بقيت بعد الغربلة. كما يمكن الذهاب أيضاً إلى أجنحة تشعرك بالقوة الشرائية على غرار جناح وزارة الثقافة والذي يحتوي كل عام على إصدارات "مكتبة الأسرة الأردنية" والتي تباع بأسعار رمزية. والنصيحة الأخيرة للتأقلم مع ضيق ذات اليد، هي استحداث قائمة موازية سواء بكتابتها يدوياً أو إلكترونياً أو حتى التقاط صور لأغلفة الكتب التي لم يُتمكن من شرائها بعض النظر عن الأسباب، وذلك لمتابعة قراءتها سواء باستعارتها من الأصدقاء ممن يمتلكون نسخاً منها، أو استعارتها من المكتبات العامة، أو حتى الاستماع لتسجيلات صوتية منها.


 في المعرض

 يمكن تقسيم الزيارة إلى شوطين أو أكثر حسب الحاجة. وأخذ استراحات سواء بالتوقف لتناول شيء خفيف أو احتساء القهوة في حال توفر أماكن لبيع الوجبات الخفيفة والتي غالباً ما تكون قريبة من البوابة الرئيسية. كما أنه من الضروري أن نتذكر ارتداء حذاء مريح وأخذ حقيبة كبيرة أو أكياس قماشية للاستغناء عن الأكياس البلاستيكية وتخفيف الأعباء البيئية.
الصورة: في طاولة لعشرة

* نُشر المقال بعد التحرير على موقع حبر

نصائح لاختيار كتب الأطفال المناسبة

لا شيء يضاهي مطالعة وجوه الأطفال واندهاشهم أثناء قراءة كتاب لهم وسرد القصص عليهم. الوضعية الكلاسيكية الرومانسية للطفل أو الطفلة جالسين على حضن أحد الوالدين أو الأقارب محاطين بذراعيهم بما يشبه العناق وأمام الاثنين كتاب ملوّن مفتوح. يسند الأطفال رؤوسهم باستسلام على عنق القارىء أو القارئة والذين بدورهم يغتنمون الفرصة ويلصقون وجوههم على خدود الأطفال الناعمة في لحظة سلام - قد تكون نادرة - بعد يومٍ صاخب مليء بالشقاوة واللعب.

ما هو لون الحب - فاطمة شرف الدين


للوصول إلى هذه الغاية النبيلة من قضاء وقتٍ نوعيّ مع الأطفال وفي نفس الوقت تنمية مهاراتهم في القراءة وتحفيز مخيلتهم وتطوير حصيلتهم اللغوية، والأهم من ذلك كله جذب انتباههم في زمن تكثر فيه المشتتات للكبار والصغار؛ لا بد من اختيار كتاب الأطفال المثالي.

معرض عمان الدولي للكتاب على الأبواب، وعلى الرغم من أن وجود العديد من دور النشر المشاركة سيقدم الكثير من الخيارات لكتب الأطفال على اختلاف الأعمار والموضوعات، إلا أنه في نفس الوقت قد يسبب بعض الإرباك والحيرة أثناء القيام بعمليات الشراء.اختيار الكتاب المناسب لعمر الطفل أو الطفلة، بما يتناسب مع ميزانية الأهل بحيث يكون مثالياً وليس سهلاً جداً أو معقداً جداً أو مملاً بالنسبة للأطفال المعنيين، كلها تحديات يواجهها الأهل في معارض الكتاب ومتاجر بيع الكتب.

كتاب دجاجة أم بيضة برزميسلاو وشتيروفيتش

قد يقوم البعض بشراء الكتب عامة، وكتب الأطفال خاصة بطريقة عفوية، وذلك بالذهاب إلى مكان بيع الكتب وتصفحها وشراء ما يجدونه مثيراً للاهتمام. وهناك نوع آخر من التسوّق المخطط له مسبقاً والذي نرى فيه رواد المعارض والمكتبات وبأيديهم قوائم لكتب معينة يبحثون عنها. إذا كنتم تميلون للنوع الثاني من التسوق يمكنكم أخذ الأمور التالية بعين الاعتبار أثناء تطويركم لقائمة الكتب التي تريدونها لأطفالكم:


نوع الكتاب
- الكتب التعليمية: غالباً ما تكون للأعمار الصغيرة حتى سن الثالثة (وفي بعض التصنيفات حتى الخامسة)، والتي تكون مصورة وتحتوي على كلمات بسيطة وتركيزها الأكبر على الألوان والأرقام والأحرف والأمور الحياتية البسيطة. ونظراً لصغر عمر الأطفال، يفضل اختيار كتب ومصادر ذات مقاومة عالية ولا تتمزق بسهولة، حتى أن بعض دور النشر أصبحت توفر كتب مضادة للماء! لكن الكرتون المقوى قد يفي بالغرض.

- قصص كلاسيكية من الأدب العالمي: مثل ليلى والذئب، واللفتة الكبيرة، وسام والفاصولياء وغيرها من سلسلة القصص المحبوبة التي نشأ عليها أطفال الثمانينات والتسعينات والتي يتم إصدار طبعات حديثة منها دائماً.

- قصة بعبرة معينة أو درس تربوي: توفر كتب الأطفال طريقة تربوية لطيفة لتعليم الأطفال دروساً معينة مثل غرس صفات وأخلاق حميدة كالمشاركة أو أهمية الشكر أو الاعتذار عند القيام بتصرف خاطئ، أو تصحيح ممارسات خاطئة مثل الغيرة أو الشجار مع الأشقاء أو عدم تناول الطعام  أو التعامل مع الاختلاف. وحتى التعامل مع أكثر المشاكل العائلية تعقيداً كفقد أحد الوالدين أو طلاقهم، أو إصابة الأجداد بالزهايمر.

كتاب البطيخة - تغريد النجار
تُجمع الكثير من الأمهات أن الأساليب غير المباشرة في التوجيه والتربية تكون أكثر فعالية، ومنها قراءة كتب الأطفال وإيصال الرسائل التربوية من خلالها. حتى وإن بدت غير حافلة بالأحداث وقائمة على السرد فقط، فإن الأطفال سيتفاعلون مع أبطال القصة والذين يتخلّقون بأخلاق حميدة أو يتصرفون بشكل جيد خصوصاً إن كانوا يشبهونهم أو في مرحلة عمرية قريبة. لذلك ومع وفرة الخيارات المتاحة يمكن إيجاد الكثير من القصص التي تحتوي على كثير من الأمور التي تواجه العائلات على اختلافها وتنوعها.

- كتب ممتعة لتنمية الخيال
الكتب النموذجية يمكن أن تجمع بين رسومات جذابة وكلمات ذات إيقاع لطيف وتكون تعليمية أو تربوية في ذات الوقت. من النصائح المهمة عند اختيار الكتاب وخصوصاً للأعمار الصغيرة والتي تحتاج إلى مساعدة أحد البالغين للقراءة هي اختيار كتاب ممتع للطرفين. لذلك يفضل أن يحب الأهل الكتاب المختار لأنهم هم من سيقومون بقراءته وسرد القصة وتقليد الأصوات، خصوصاً وأنه نشاط مشترك مع الأطفال وغالباً ما يتّسم بالتكرار لحب الأطفال قراءة كتبهم المفضلة بشكل متكرر، فمن الأجدى أن تكون التجربة ممتعة للجميع.

كتاب الألوان الأسود - منينا كوتن 

كتاب عن الألوان مكتوب بالأبيض والأسود وبلغة بريل للمكفوفين

مع وجود أشكال ناتئة للعناصر المذكورة بالكتاب يمكن لمسها

تقييم كتب الأطفال 
بعد أن عرف الأهل ما الذي يبحثون عنه، يستطيعون تصفح الكتب وقراءتها قبل شراءها في نقطة البيع. كما يمكنهم أيضاً الاستزادة إلكترونياً سواءً بالإطلاع على كتب الأطفال الأكثر مبيعاً، وقراءة مراجعات أو تقييمات للكتب، أو سؤال أمهات وآباء ممن لديهم أطفال في أعمار متقاربة من أعمار الأطفال المراد شراء كتب لهم.
على الرغم من أن الكتب الأوسع انتشاراً أو صاحبة الاقتباسات الأكثر تداولاً في منصات التواصل الاجتماعي لا تكون قيّمة بالضرورة بالنسبة لكتب البالغين، إلا أن قوائم مماثلة لكتب الأطفال تكون مؤشراً جيداً على نجاح الكتاب. والمؤشرات ذات الصلة التي يمكن تتبعها للحصول على المزيد من الخيارات هي: اسم المؤلف/المؤلفة، دار النشر، والرسامين والرسامات.

هناك تصنيفات أخرى مساعدة والتي تتبناها الكثير من دور النشر العربية مثل "تصنيف عربي ٢١" والذي يمكن إيجاد رموزه على الكثير من كتب الأطفال. يساعد هذا التصنيف لكتب الأطفال العربية على اختيار الكتاب المناسب بما يتماشى مع عمر الأطفال آخذاً بعين الاعتبار معايير مثل اختيار الكلمات وعددها في الصفحة، وفصاحة اللغة، التكرار، وجود الرمزية، وإخراج الكتاب من حيث الرسومات وحجم الخط.
يمكن الاطلاع أيضاً على تصنيف مستوى كتاب معين من خلال الموقع الالكتروني والذي يضم ٤٣٢٨ كتاباً مصنفاً للأطفال والناشئة العرب.

اختبار الأصابع الخمسة
في حال عدم التأكد من أن الكتاب مناسب لمستوى الأطفال (خصوصاً بين سن الخامسة والثانية عشر)، يمكن تطبيق اختبار الأصابع الخمسة مع الطفل أو الطفلة باتباع الخطوات التالية:
١- اختيار صفحة عشوائية من الكتاب المراد تقييمه
٢- قراءة الصفحة بصوت عالٍ مع الطفل/ة
٣- عدّ على الأصابع الكلمات التي لم يعرفها، يفهمها أو يتمكن من قراءتها
٤- إن كانت الكلمات بين ٢-٣ : يمكن اعتبار الكتاب مقبولاً لأنه سيعلم الأطفال وسيزيد من حصيلتهم اللغوية، أما إن كان عدد الكلمات التي وجدها الطفل/ة صعبة ٥ فأكثر فهذا يعني أن على الطفل/ة البحث عن كتاب بلغة أبسط.

نصائح أخيرة خاصة بمعارض الكتب
- معارض الكتب فرصة جيدة لوجود تنوع هائل واشتراكات من دور نشر قد لا تتوافر إصداراتها دائماً في الأسواق، لذلك فهي وقت جيد لشراء هدايا لأطفال العائلة والأصدقاء ومن اللطيف كتابة إهداء لهم على الصفحة الأولى من الكتاب.
- يمكن إضفاء مسحة شخصية مميزة على الكتاب في حال شراءه من معارض الكتاب والتي يكون فيها المؤلفين والمؤلفات لتوقيع كتبهم أو بعد الاشتراك في فعالية من فعاليات القراءة الجماعية للأطفال.
- على الرغم من كون كتب الأطفال استثماراً جيداً، إلا أن التفاوت في الأسعار قد يشكل عبءاً على ميزانية العائلة ويحول دون شراء العديد منها. لذلك فإن مشاركة الكتب فكرة جيدة، ومن المجدي تنسيق الكتب المنوي شراؤها مع الأهل والأصدقاء لتفادي التكرار.


* تم نشر هذا المقال (بعد التحرير) على موقع حبر في ٢٥ أيلول ٢٠١٨ بعنوان "في معرض الكتاب، كيف أشتري كتاباً لطفلي؟"

نفسيات وفصول


إنه ذلك الوقت من العام الذي يُروّج فيه إلى أن التقلبات المزاجية التي تواجه الكثير من الناس بالتزامن مع الاعتدال الخريفي طبيعية. على الرغم من شيوعها و وجود بعض الدراسات التي تدعم هذه النظرية إلا أن لها وقعاً على مسامعنا يوحي وكأنها إشاعة، أو خرافة متداولة على غرار الأبراج، أو تفسير كسول من مستمع ملول لشكوى أحدهم ولتعبيره عن الانزعاج أو عدم التوازن الذي يشعر به.
ربما كانت فعلاً ضرباً من الهروبية نقوم به لإلقاء اللوم على خفوتنا الموسمي وعدم نشاطنا وتعكر أمزجتنا، و لربما كان ظاهرة حقيقية على غرار المد والجزر وظاهرة القمر المكتمل وغيرها .. كلها تكنهات.
يبقى لنا الاعتراف أن إلقاء اللوم والتهرب من المسؤولية فيه راحة جزئية (وإن كان كاذباً ومؤقتاً)، فيبدو أن هناك حاجة دائمة لدى الانسان للشعور بارتباطه بشيء أكبر منه، يستعين به لتفسير كل ما هو غير منطقي في حياته، وتعاقب الفصول أحد تلك التفسيرات الكسولة.

الأبيات التالية لأبي بكر الصنوبري:









قرأت لكم - حرب الكلب الثانية


بعد إنتاج أدبي غزير، حاز إبراهيم نصر الله هذا العام على جائزة الرواية العربية (البوكر) عن روايته الأخيرة "حرب الكلب الثانية". يمكن تصنيف هذه الرواية ضمن أدب المدينة الفاسدة أو "الديستوبيا" حيث تدور أحداثها في المستقبل في مجتمع مُتخيّل يتسم بالفساد والخراب والانحطاط الأخلاقي.

بالاستناد على معطيات حالية تم تقديم صور مستقبلية مضخمة عن مجتمع  يتمتع بمستوى متطور جداً من التقنيات المستخدمة في التعليم والترفيه والمواصلات، يرافقه درجة عالية من التلوث والاختلال الطبيعي، وتشوّه واضح للقيم والعلاقات. حتى الحيوانات في الرواية تشوّهت أشكالها وفطرتها، فالكلاب مثلاً لم تعد وفية لأصحابها وغدت تتسم بالغدر.

قُدمت فكرة أخرى مثيرة للاهتمام وهي أن التاريخ لا يعيد نفسه كما هو مشاع، بل إنّ البشر لا يتعلمون من أخطائهم. فقد تم تسليط الضوء على عدد من الحروب التاريخية ومع العلم أن أسباب تلك الحروب كثيراً ما تكون سخيفة وعواقبها وخيمة إلا أن البشر لا يتوقفون عن افتعال حروب جديدة. ففي الزمن الذي تناولته الرواية والذي شاع فيه الاستنساخ بكل طاغٍ، أصبح البشر متشابهون جداً بالأشكال والطبائع لكنهم مع ذلك في صراع دائم بسبب اختلافات يخلقونها بأنفسهم.

ربما يكون الانطباع الأول الذي تتركه الرواية بعد الانتهاء من قراءتها هو الامتعاض والاشمئزاز. هناك الكثير من القراء ممن يعتقدون بأن ذلك إشارة إلى نجاح الكاتب في إيصال فكرته. فكتب من هذا النوع تترك أثراً في نفس القراء وقد ترافقهم لعدة أشهر أو حتى سنوات لاحقة، حيث يقومون بعقد مقاربات ومقارنات ذهنية بين روايات الديستوبيا المتخيّلة والأحداث التي تدور على أرض الواقع، تماماً كما يستشهد البعض برواية جورج أورويل "١٩٨٤"، أو سلسلة "ألعاب الجوع" لسوزان كولنز، أو قصة آلان مور التي حولت للفيلم الشهير "ثاء رمزاً للثأر".


مناقشة هذا النوع من الكتب في نادي قراءة أو مجموعة أصدقاء يضفي الكثير من الأبعاد ويضيف عمقاً جديداً للكتاب. على الرغم من تباين الآراء وتفاوتها، فقد كانت مناقشة "حرب الكلب الثانية" في نادي الكتاب الصغير الذي أنشأناه مناقشة مثرية ومليئة بوجهات النظر والاسقاطات والاستقراءات (السلبية للأسف) للمستقبل.








أسبوع الأكل الأردني - خيبة أمل أخرى


هناك إجماع واسع على فقر عمّان وباقي محافظات الأردن عموماً بالمرافق والمساحات العامة. لذلك ومع حملة إعلامية تصل الجرائد واللوحات الإعلانية ومواقع التواصل الإجتماعي نجد إقبالاً كثيفاً وحضوراً لافتاً على الفعاليات الموسمية والمهرجانات. يكون رواد تلك الأنشطة متأمّلين بتجربة عائلية لطيفة، أو نشاط جماعي يكسر الروتين ويكون بعيداً قدر الإمكان عن استهلاكية فجّة تتمحور حول ثقافة الجلوس في المطاعم والمقاهي والمراكز التجارية.

يفترض بفعاليات من هذا النوع أن تكون أليفة وجامعة لأطياف متنوعة من المجتمع المحلي وفرصة التقاء لعوالم مختلفة لا تحتكّ أبداً لعدم وجود حدٍ أدنى من الحضرية أو الحياة المدنية بحكم غياب نظام مواصلات عامة محترم ومرافق وميادين وحدائق. لهذا نعوّل على فعاليات من هذا النوع أن تكون مرحبة بالجميع على اختلاف مستويات الدخل، أو الفئات العمرية، وأن تشكل أماكن مريحة لكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، وربات البيوت وطلاب الجامعة وغيرهم من مكونات المجتمع المرئية وغير المرئية في المشهد اليومي.

وجاء "أسبوع الأكل الأردني" ليكون خيبة أمل أخرى لمجتمع منهك ومتخم بالضربات والخيبات.


تطالعك في البداية جموع الناس وتشعر بالتفاؤل عند رؤية الإقبال، تصطف للتفتيش الأمني (الشكلي؟ غير الضروري؟) وتستشعر أولى علامات الإقصائية عند حاجز "الدخولية" أو تذكرة الدخول.

إذا كنت سأدخل ل شراء منتجات وأطعمة ومشروبات، لماذا علي دفع دينارين عن كل شخص؟
تماماً كطلب أجرة دخول على باب "المول" أو بشكل أدق لدخول "ساحة المطاعم".

أم أن هذا تكتيك مقصود لمنع جمهور معين من الدخول؟ وبشكل أكثر صراحة و "بالمشرمحي" من دخول سكان منطقة راس العين وحي المهاجرين والجبال القريبة؟
بالطبع فدفع دينارين عن كل شخص لعائلة مكونة من ٥ أو ٦ أشخاص بداية غير مبشرة، ١٠ دنانير "ولا فتّينا ولا غمّسنا".
وضع شاب ضخم سواراً ورقياً على أيدينا يؤكد دفعنا للدخولية وأنا قلت في نفسي "أول الرقص حنجلة".

أخذنا لفة في المكان المزدحم بالمارة والمشاركين على حد سواء على أنغام موسيقى "الروك" التي - أكاد أجزم - أنها لا توافق ذوق ٧٠٪ من الحضور على أقل تقدير. كما هو متوقع ضمّ المكان مطاعم مشهورة ومقاهٍ محلية وعلامات تجارية ناشئة. وجود خجول للمحافظات انحصر بمكبوسات وزيتون وجميد ومنتجات ألبان. لم أرَ مكمورة إلا كصورة ديكور، لا أقراص ولا خبز طابون ولا ما يحزنون، بالكاد عثرنا على مكان يقدم لزاقيات.


وبما أن كل الفكرة دعم المحلي، والتواصل مع موروثنا، وقفنا لاستطلاع الخيارات أمام محل تعمل فيه فتاة سمراء توحي ابتسامتها ولهجتها أنها من خارج عمان، لكن من تلقّفنا مباشرة كان شقراء اكتسب جلدها سمرة برونزية محمرة بسبب سباحة وتشمس حديثين، تتحدث بصوتٍ ثابت وصارم عن لائحة الطعام ومكونات كل صنف.
طلبنا لزاقيات بالحلاوة. بدأت الفتاة السمراء بإعداد الحلوى و وضعت وهي منهمكة سمناً بلدياً، نهرتها الشقراء وقالت بنبرة غير ودودة "حلاوة حلاوة مش سمنة وسكر" فتدخلنا ونحن نشاهد الذعر يتسلل إلى عيني الطاهية أنه لا مشكلة من المكون الإضافي.
وُضِعت الحلوى بطبق بلاستيكي كبير وغطاء بلاستيكي امتنعنا عن أخذه هو والشوكة والسكين البلاستيكية والمغلفة بالبلاستيك؛ أعباء بيئية ونفايات لا طائل منها.
قلنا للشقراء لا نحتاج للشوكة والسكين سنأكلها بأيدينا وأضاء وجه الفتاة السمراء بابتسامة انتصار صغيرة وقالت بانتشاء وثقة طارئة: "أصلاً ببتاكل بالإيد".


مشينا أكثر لنرى شباب وشابات يرتدون قمصان بيضاء موحدة كتب عليها جهة الظهر بالإنجليزية "Here to Help"، إقصائية أخرى للغة الرسمية في البلاد، ولمن بينه وبين الإنجليزية حاجز. لماذا؟ هل تبدو "كيف يمكنني مساعدتك" أو "هنا لمساعدتك" عبارة رجعية أو متخلفة؟

والحديث يطول عن آليات التسعير المجحفة. لا أدري إن كان المشاركون "مدعومون" وأنهم تلقّوا دعوة لعرض منتجاتهم، أم أنهم دفعوا للجهات المنظمة ولأمانة عمان - مع أني أستبعد لأني شعرت بالغثيان من كثافة وجود شعار وكالة التطوير الأمريكية التي تتبجح بوجودها / تنظيمها / تمويلها ...؟ الله أعلم ما دور الوكالة أصلاً في كل الميمعة "المحلية". المهم، إليكم أعزائي القراء فكرة عن أسعار المنتجات:
كوب بوظة صغير- ٤ دنانير
كوب قهوة مثلجة - ٤ دنانير
١٠٠ غرام توفي - ٦ دنانير
شطيرة برغر وبطاطا مقلية - ٨ دنانير
كتاب (بالانجليزية) عن "تمكين" النساء بالطبخ (؟٪#!) - ٢٥ ديناراً.

أعطي الفعالية ٣ من ١٠، فقد شعرت وكأني خدعت وانتهى بي المطاف بالقيام بنشاط استهلاكي آخر مقتصر على طبقة معينة لا تعنني بصراحة. فعالية زادت الشروخ في مجتمعٍ ليس بحاجة لأية خدوش إضافية. كما قال ربيع زريقات في منشور حديث له على الفيسبوك: "في حال الدخول على الموقع الإلكتروني للفعالية ستجدون "عمان الشرقية" ضمن قائمة المحافظات مع الكرك ومعان والعقبة... على اعتبار أن "عمان الشرقية" محافظة بذاتها مسلوخة عن العاصمة بقدرة قادر."
أحسن زريقات في تقييم الفعالية وأورد إضاءات هامة عن اختزال ثقافة الطعام بدلاً من أن تكون تشاركية وتفاعلية كان فيها شيء من الفوقية والإحسان لسيدات الأردن المشاركات وكأنهن أقل حظاً.

المصدر 

إذا كنت سأختم هذه التدوينة بشيء من الإيجابية (على فرض أني سأعطي الفعالية فرصة ثانية في حال تكررت في الأعوام القادمة) فالتالي توصيات واقتراحات:

١. تصميم الفعالية بشكل يكون أكثر رحابة سواء مادياً بتخصيص مساحة واسعة يتناسب فيها عدد المشاركين مع عدد الحضور ومعنوياً بإلغاء الدخولية والترحاب بالجميع
٢. إشراك عدد أكبر من المشاركين ممن يتماشى منتوجهم مع "أكل الشارع" بإيجاد خيارات تناسب مختلف الشرائح والميزانيات. والخيارات كثيرة: كالكعك والبيض، الفلافل، سندويشات لبنة ومكدوس وحواضر، وكرابيج حلب وغيرها من الحلويات الشرقية.
٤. إتاحة أنشطة تفاعلية يقوم بها الناس بالطهي سوية أو تعلم عمل وجبة تقليدية وتناولها بشكل جماعي
٣. مراعاة البعد البيئي (ولا الجهات المانحة شغل تنظير وبس؟) : معظم المأكولات تقدم لتؤكل مباشرة، لذلك إما التفكير بتقديم المأكولات بالحد الأدنى من المخلفات أو يمكن الاعتماد على الأطباق الورقية مع إيجاد أماكن مخصصة لإعادة تدوير البلاستيك والعلب المعدنية.
٥. تخصيص أماكن أكثر للجلوس وتناول الطعام، واعتماد موائد كبيرة طولية تشاركية تتيح حتى للغرباء الجلوس سوياً.
٤. تخصيص مكان للصلاة - للأقلية المسلمة على الأقل (!)


مشاهدات مشّاءة في اسطنبول


ذهبت منذ بضعة أسابيع في رحلة قصيرة إلى اسطنبول لحضور حفلة حنّة وحفلتي زفاف، والالتقاء مع أشخاص يعنون لي الكثير بعد عدة سنوات. وبحكم أني عشت سابقاً في اسطنبول، وأتكلم اللغة، ولدي الكثير من المعارف والأصدقاء، لا أعتبر نفسي سائحة بالمعنى التقليدي عندما أزورها.

سبحان الله، عند الغياب عن مكان مألوف والرجوع إليه بعد فترة لا بد من ملاحظة ما هو جديد، والعودة إليه بعين متفحصة لا تأخذ وجود كل ما تراه من المسلمات. التالي مجموعة من المشاهدات التي لاحظتها أثناء تجولي في المدينة مع عدد من الصور التقطتها بهاتفي الخلوي من هنا وهناك.

- المحلات المتخصصة:
متاجر قديمة توحي بالعراقة، وكأن العولمة لم تصل إليها، متخصصة ببيع كل ما يتعلّق بمنتج معين أو تقديم خدمة معينة. تشعر وكأن البائع أو مقدم الخدمة ورث "الكار" عن أبيه ويعرف زبائنه بالاسم وتربطه بهم علاقة اجتماعية أكثر منها مهنية.




الحارة:
 اشتقت لهذا المبدأ الذي يتلاشى شيئاً فشيئاً. أشفق على جيل هذه الأيام الذي يلصق تسليته بالشاشات بدلاً من "النزول إلى الحارة". كيف يعشون طفولتهم دون حَجْلة، وسبع حجار، وتسلق الأشجار، وقيادة الدرجات الهوائية؟ كيف لديهم رُكب سليمة خالية من الخدوش ولا تتسخ ملابسهم ببقع من الطين والرمل والبوظة؟
المهم، سعدت لأني مشيت هذه الزيارة في الكثير من الحارات.



يقال لكي تعرف مدينة ما عليك أن تستشعرها بقدميك، هذا ما فعلته بعد مشي عدة ساعات في أزقة منطقة "بلاط". صادفت بائعي خضار متجولين وربات بيوت ينادونهم بأسمائهم من الشرفات العالية. سلال من القش مربوطة بحبال ملونة تنزل بالنقود وتصعد بخضار وفاكهة موسمية.


سمعت سعال متقطع من النوافذ المفتوحة على الطريق التي تزينها نباتات متسلقة وعلب اللبن المزروعة بالأزهار، شِجار أطفال الجيران وثرثرة العجائز على عتبات البيوت الملونة ونظراتهم المتفحصة للمارّة.

- القطط التي تشعر بالأمان:


لطالما شعرت أن وجود قطط بصحة جيدة علامة إيجابية على سكان منطقة ما. وجود أوعية من الطعام على الأرصفة أو زبادي مملؤة بالماء للقطط والكلاب دليل على رحمة أهل الحي. الأمان الذي يشعر فيه القطط لافت للنظر، ويدل عليه الأماكن التي تختارونها لأخذ القيلولة، خصوصاً بنات عم زيتونة :)





متلازمة الشهرة المشوّهة


استيقظت اليوم باكراً، ولم يكن أول ما أفعله بعد أن أفتح عيناي - على خلاف أعداد متزايدة من الناس - هو البلكشة في هاتفي الخلوي. لا أزال صامدة وملتزمة قدر الإمكان بالحمية الإلكترونية التي تؤجل احتكاكي بالفضاء الإلكتروني ساعتين بعد الاستيقاظ وساعتين قبل النوم وتوفر لي شيئاً من راحة البال، والمزيد من الوقت والتركيز في أنشطة شخصية.

بعد فطور هادئ مع العائلة، وأعمال منزلية صباحية بسيطة، فتحت تطبيق الانستجرام لأرى خاصية "السؤال" الجديدة. ردة فعلي الأولى كانت الانزعاج بصراحة، شعرت بشيء من الضيق وأنا أراها تكتسح حسابات من أتابعهم و تذكرت روابط كنت أصادفها في مواقع تواصل اجتماعية أخرى ولا ألقي لها بالاً لمنصات على غرار آسك أو صراحة. قلت في نفسي: الله يسهّل عليكِ يا زايدي سميث!


المصدر

في أحد مقابلات زايدي سميث سُئلت عن إدمان الفيسبوك، وما شاركته يمكن قياسه على مواقع أخرى مثل تويتر وانستجرام. أتفق مع سميث أن مشكلة تلك المنصات هي تحويل الجماهير لمجموعات من المشاهير الصغار، حيث يعيشون شهرة مشوّهة ولديهم قاعدة من المعجبين والمعجبات - مهما عظم أو صغر نطاق تلك القاعدة -. العلاقة ليست سليمة، فهي استعراضية مهما حاول مطوّرو تلك التطبيقات إضافة خاصيات "تفاعلية" لها، ستبقى أحادية الجانب لدرجة كبيرة ومعتمدة على التلقي السلبي.



في وقت أشعر فيه أن فقاعتي الجميلة (على رأي ربى شمشوم) هشّة وأقل مقاومة، أجد نفسي حساسة للآثار المترتبة على تلك المواقع.
أنا مدركة أن العيش من دونها يكاد يكون غير ممكنٍ هذه الأيام، وللأمانة هناك جوانب أستمتع فيها وأراها جميلة تجعلني أكثر وعياً وتمدني بالإلهام والأفكار وتعرّفني على أشخاص وأماكن لطيفة، لكن الخوض فيها مثل رحلة مليئة بالأفخاخ، وكلما قضيت المزيد من الوقت في استخدامها، شعرت بمشاعر سلبية وبتّ أخاف على سلامتي العقلية ونفسيتي.


المصدر


المطمئن في الموضوع أني لست وحدي، فأعراض مثل التوتر والاحباط ترافق الغالبية العظمى من الثلاثة بلايين مستخدم ومستخدمة لتلك المواقع حول العالم. لكن ما يمكننا فعله هو زيادة وعينا، وتذكير أنفسنا بالأفخاخ التي ترافق استخدامنا لمواقع التواصل الاجتماعي وتفاديها.

الفخ الأكثر شيوعاً هو الاعتقاد أن حياة من نتابعهم مثالية لمجرد رؤية إلماعات سعيدة بشكل متكرر.
معظم ما يتم مشاركته هو أكثر اللحظات سعادة وإشراقاً في حياة الناس. فمواقع التواصل الاجتماعي منصات لأرشفة انتصاراتنا الصغيرة والكبيرة، إنجازاتنا الأكاديمية والمهنية، الصور التي نكون فيها أنيقين ونظهر بمظهر جيد، أسفارنا ومناسباتنا السعيدة وعندما نكون محاطين بالأهل والأصدقاء والأحباب.
ما يحصل أننا نقع في فخ المقارنة؛ مقارنة "ما وراء الكواليس" في حياتنا اليومية من تحديات وصعوبات مع ما نراه من إلماعات لحظية سعيدة في أحداث مفصلية في حياة من نتابعهم.

كما يمكن النظر إلى الأمر بشكل معكوس بالتمعن بمقصدنا من مشاركة صورة أو تغريدة أو أي منشور. من المجدي التفكير لبرهة في الهدف من وراء مشاركة محتوى ما، الرسالة المبطنة التي ستصل إلى من يشاهد. لا أعتقد أن أحداً منا يريد أن يتباهى أو يستعرض أو يشعر الآخرين بسوء وبأنه/أنها أفضل منهم، على الأقل، هذا ما أود تصديقه ..أن لا أحد يقوم بهذا بشكل ممنهج.
لكن ما يحدث أن هناك ثقافة مستحدثة من الترويج للنفس وتسويق الإنجازات على مدار الساعة لإقناع جميع الناس بأننا ناجحون ومحبوبون ومثيرون للاهتمام، وكأن الجميع في سباق غير معلن. برأيي المتواضع علينا ألا ننصاع لتلك المنافسة المرهقة، وبكل احترام وشفافية نستطيع إلغاء متابعة الأشخاص الذين لا يثري محتواهم الإلكتروني حياتنا اليومية خصوصاً إن وصلنا شعور أنهم في سباق مع أنفسهم (أو مع أي كان).
الأمر بتلك البساطة. ضغطة زر وإلغاء متابعة.
لا نحتاج لعبء إضافي يزيد من سُمِّيّة الحياة المليئة بالتحديات والمنغصات أصلاً.

فخٌ آخر أواجهه كثيراً هو فخ الرواج والمردود.
تساؤلات مثل: هل نحن رائجون كفاية؟ هل المحتوى الذي نقدمه يحظى بشعبية كافية؟ هل حصلنا على عدد مشاهدات عالٍ؟ ماذا عن عدد الإعجابات على صورة، مقطع فيديو أو تدوينة قمنا بمشاركتها مؤخراً؟

الإعجاباب والمشاهدات والمشاركات باتت المقياس وهو ما يعطي قيمة لمحتوى ما، والذي شبّهته بايلي بارنر بالعملة. فهو - على حد تعبيرها - عملة غير نقدية مقابل سلعة أو منتج، وتلك السلعة هي نحن! فنحن نسمح بتسليع أنفسنا (أي جعل أنفسنا سلعة ) وقياس قيمتنا أو أهميتنا بعدد الإعجابات على صورة شخصية، أو إعادات التغريد على أحد آرائنا أو عدد المشاهدات لأحداث حياتنا.

وما يحصل أننا في كثير من الأحيان، نقوم بمحي تغريدة أو إزالة صورة من ألبوماتنا لأنها لم تحصل على "تفاعل" كبير، أي إزالة منتجنا من الرف، لأنه لم يكن رائجاً كفاية.

هذا أحد تحدياتي الشخصية: التحرر من سطوة عدد الإعجابات في الصور التي أشاركها على انستجرام.
أذكر نفسي دائماً بالسبب الذي دفعني لمشاركة منشور ما حتى وإن لم يلقَ رواجاً مقارنة بالمنشورات الأخرى على الحساب. في العادة أحب أن أشارك تفاصيل صغيرة جعلتني أبتسم، أو لحظات صفاء عابرة في مكان ما، أو سعادة استشعرت تلقائيتها في أمر في غاية البساطة. أحب أن أشارك الجمال، لا أكثر ولا أقل.
من الطبيعي جداً ألا تحصد جميع الصور أعداداً متماثلة من الإعجابات و التعليقات. بالمقابل يسعدني جداً أن أسمع تعليقات لطيفة بمعرض الحديث وبأثر رجعي من أشخاص أعرفهم معرفة شخصية وأثق برأيهم وذائقتهم الفنية، عن تلك المنشورات غير الرائجة والتي أعجبتهم لأنها حاكت شيئاً بداخلهم.

في العادة أميل إلى تفضيل الفنون المختلفة والموسيقى المستقلة والأفلام البديلة وغير التجارية البعيدة عن شباك التذاكر والتي لا تكون في العادة مشهورة جداً أو يعرفها الكثيرون، قياساً على ذلك، ألا يجب أن أرغب أن يُرى محتواي بنفس المنظور؟!

بالطبع هناك العديد من الأفخاخ الأخرى؛ كفخّ الإدمان، والتنمر الإلكتروني، والخوف من أن يفوتك شيء ما، أو فخ المنافسة مع الأقارب أو زملاء العمل والحديث يطول. لكل منا رحلته الخاصة، وتحدياته الفردية، وبما أننا نقضي الكثير من الوقت على تلك المواقع الإلكترونية، علينا إيقاظ أنفسنا من التغييب الجمعي الذي يحصل كل فترة، وعدم الخوف من السباحة عكس التيار، أو على الأقل؛ إبقاء عدسة نقدية في نظرتنا إلى الأمور حتى وإن انتشرت بشكل كاسح.

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...