‏إظهار الرسائل ذات التسميات ملاحظات شخصية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ملاحظات شخصية. إظهار كافة الرسائل

حب أليف غير مشروط

في العام الذي كنت أدرس فيه في لندن، كان هناك انتخابات نيابية في بريطانيا. وكجزء من حملات الأحزاب المختلفة جاءت مندوبة من حزب المحافظين إلى حفل إفطار قريب من الجامعة التي كنت أدرس فيها. المندوبة البريطانية من أصول هندية جاءت لتخاطب مجموعة من "الأقليات المسلمة" الميالين لليسار لتحثهم على إعطاء أصواتهم لحزبها اليميني. كانت فحوى كلمتها متمركزة حول أهمية الأقليات المسلمة في المجتمع البريطاني وحول مشاركتهم الفاعلة اقتصادياً. أشارت إلى شخصيات بريطانية مسلمة لامعة وثرية ومشهورة وركّزت على أنهم استغلوا الفرص التي قدمتها لهم تلك البلاد، وأكدت على أهمية تواجدهم - كمجتمع مسلم - في المقدمة.

أذكر جيداً سؤالاً قوياً جاء من فتاة محجبة توحي لهجتها البريطانية أنها من الجيل الثاني أو الثالث في المملكة المتحدة. قالت لها الفتاة السمراء: "تقولين أننا مهمّون، نحصل على شهادات ونتفوق دراسياً، وندير شركات ونكسب النقود وندفع الضرائب.  نحصل هكذا على الأهمية في هذا المجتمع ويتم تقبّلنا والاعتراف بنا. لكن ماذا لو كنا أقل بريقاً؟ ماذا لو كنا مرضى أو ذوي احتياجات خاصة؟ لو كان لدينا مشاكل تمنعنا من أداء أدوارنا بكفاءة وفعالية؟
هل يخسر مرضانا احترامهم ومكانتهم في هذه المنظومة؟ هل ينظر لمن هم "عاديون" منا على أنهم عبء؟ هل حبنا وتقبّلنا له شروط؟"

لم تكن تبحث تلك الفتاة الجامعية عن أجوبة، لكنها نجحت في أن تجعل جميع الحاضرين والحاضرات يفكرون.
وسؤالها بالمناسبة لا يقتصر على المشهد السياسي البريطاني وأوضاع المهاجرين واللاجئين في القسم الشمالي من العالم. يمكن إسقاطه على الكثير من الجوانب الحياتية. فالحب المشروط نوع سيء من الحب. هل ستحبني فقط إن كنت جميلة؟ هل سأكون مهمة فقط إن كنت بصحة جيدة؟ إذا مرضت أو هرمت فما هو مصيري في هذه الحياة؟ هل سأهمّش؟ سيتركني أقرب الناس إلي؟ هل بعض الناس مثل الأخطاء المصنعية التي تحتاج إلى إتلاف في بضاعة منتجة في مصنع ما؟

"الحب غير المشروط" مصطلح متداول في الأدب والإعلام، ويستخدم في سياق رومانسي للدلالة على مقدار كبير من الحب بلا قيود ولا شروط للمحبوب. لكن لنفكر قليلاً في هذا المصطلح وماذا يعني.

حب غير مشروط هو أن تقدم الحب ولا تتوقع أن يأتيك بنفس الشكل والمقدار الذي قدمته، وأن تستمر في تقديمه حتى وأنت تعرف ذلك.
حب أصيل لا تقدمه ليجعلك تشعر بشعور جيد تجاه نفسك، فأنت تقدمه لأنك تشعر أنه واجبك وهو ما يمليه عليك ضميرك. وهو نوع متطلب من الحب تبذل فيه مجهوداً وتحتاج فيه للصبر وطول النفس.
صورة غير جذابة وغير رومانسية من الحب، تقدمها لطرف آخر؛ طرف ضعيف، أو مريض، أو قبيح (في نظر الآخرين)، أو مهمّش وقد يكون غير مرئي للكثيرين. لكنك لا تبالي، ولا يعنيك أي من ذلك.

أعلم أن هناك الكثيرون ممن يتحسسون من عقد مقاربات بين البشر والحيوانات، لكن تحمّلوني قليلاً.



لدينا في المشهد العائلي قطة جميلة عيناها خضراوان ولوزيتان اسمها زيتونة. لكن زيتونة فقدت الكثير من جمالها على مدى الأسبوع الماضي بسبب مشاكل صحية سببت لها حكة دائمة وجعلتها تشعر بالتعب وتفقد الكثير من الشعر حتى أن جلدها حول الرقبة أصبح مكشوفاً تماماً.


زيتونة اختارت عائلتنا وقررت أنها ستصبح جزءاً منها.
جملة تبدو مضحكة وغير واقعية، أليس كذلك؟ لكن هذا ما حدث.

رأيناها في محيط المنزل قبل حوالي ٤ سنوات وكانت صغيرة نسبياً. أقدّر أن عمرها لم يتجاوز الأربعة أشهر في ذلك الوقت. بدت وكأنها تتردد على المنزل وتتعرف إلينا عن بعد، حتى قامت بخطوة جريئة أفصحت فيها عن مشاعرها تجاهنا ونواياها بالانضمام إلى عائلتنا، فأحضرت لنا فأراً!
أذكر أني فتحت باب المنزل خارجة لأراها أمامي وفي فمها فأراً اصطادته. حصل اتصال بصري قوي بيننا لم يقطعه صرختي المتفاجئة والمشمئزة من منظر الفأر في فمها. أغلقت الباب وناديت أمي بسرعة لترى هول ما رأيته. وبعد بضعة دقائق فتحنا الباب أنا وأمي لنراها متسمّرة على نفس الوقفة وفي عينيها ذات النظرة الواثقة.

عرفت بعد فترة أن تلك كانت رسالة من زيتونة، ففي عالم القطط إحضار ما تم صيده هدية تقدمه القطط للإنسان لتثبت أنها صيادة ماهرة. زيتونة أحضرت هديتها كعربون صداقة ودليل على أنها ستكون عضواً فعالاً في العائلة. 

منذ أن كنا صغاراً كنا نحلم باقتناء حيوان أليف، لكن أبي لم يكن يحبّذ ويقول لنا: "إما أنا أو هي (القطة) في هذا البيت". لكن زيتونة بتلك الحركة النبيلة خففت من حدية عبارات أبي الدراماتيكية، فسمح لنا بإطعامها قائلاً أنه من المفيد أن تكون في الحديقة "لتنظيف" المحيط من القوارض والحشرات. 
وهكذا، رويداً رويداً، بدأت زيتونة تتواجد في حياتنا، من قطة في الحديقة إلى قطة داخل المنزل في "الشتاء فقط"، إلى فرد من أفراد العائلة. كنا نخشى عليها من برد المربعانية، وشيئاً فشيئاً فرضت وجودها وأصبحت قطة "برّه وجوّه"، لذلك فضّلت أمي أن نعطيها مطعومات وقائية وأن نأخذها إلى الطبيبة البيطرية بين الحين والآخر. 

وحتى بعد هذه المقدمة التاريخية عن قصة تعارفنا مع زيتونة يستفزّني كثيراً أن يطلق عليها "بسّة شارع"، والأنكى عندما يقول أحدهم "آه، بس زيتونة بسّة عادية، مش بسّة عالم وناس".
جملة مستفزّة توحي - على الأقل بالنسبة إلي - بوجود مشاكل طبقية عميقة لدى المتكلم/ة.

 وهنا تأتي الفكرة الأساسية لهذه التدوينة: ما الذي يحدد "قيمة" ما/من هم في حياتنا؟ هل كنت سأحب زيتونة لو أنها قطة سيامية أو شيرازية؟ لو دفعت لاقتنائها بضعة مئات من الدنانير، هل ستكون قيمة حياتها أعلى؟ هل مشاكلها الصحية ستكون أكثر أهمية وخطورة؟ قطعاً لا.

أتمنى أن تشفى زيتونة وأن تستعيد عافيتها وشعرها. لكن حتى ذلك الحين من اللطيف مراقبة علاقتها بأخي عبد الحميد. تفاهم متبادل قائم على النظرات والابتسامات. أزعم أن ذلك شكل من أشكال الحب الحقيقي وغير المشروط.
حميد لا يكترث بشكل زيتونة المتدهور أو حالتها المتعبة، يفهم نظراتها وما تحتاجه فيطعمها ويقدم لها الماء ويستجيب لها بكل حب. وزيتونة لا يعنيها بتاتاً أن حميد لا يتحدث معها أو يصدر أصواتاً لها أو يرتّب عليها، فتجلس بجانبه وتحوم حوله.
بلا شروط أو قيود؛ كل يقدم ما يستطيع للآخر حسب استطاعته، زيتونة تخرخر لحميد وحميد يأنس بزيتونة ويبتسم لها. وفي هذا الأثناء أحاول جاهدة أن أتعلم منهما الحب غير المشروط، وأن أبادلهما ما يعطياني إياه بسخاء حسب استطاعتي المتواضعة.

كلمات وصور زلقة


يقول عبد الرحمن منيف في مقدمة كتابة "سيرة مدينة - عمان في الأربعينات" :

"إن الكتابة عن مدينة الماضي التي يحبّها الإنسان تحول هذه المدينة إلى كلمات، والكلمات ذاتها، مهما كانت بارعة، زلقة، خطرة، ماكرة، وغالباً لا تتعدى أن تكون ظلالاً باهتة لحياة، أو في أحسن الحالات ملامسة لها من الخارج، أو مجرد اقتراب، علماً أن الحياة ذاتها كانت أغنى، أكثر كثافة، ومليئة بالتفاصيل التي يصعب استعادتها مرة أخرى."


تحدث منيف هنا عن الكلمات، أن الكلمات مهما كانت بارعة فهي لن تنجح - في رأيه - في أن تعكس الصورة الحقيقية للحياة "الأغنى والأكثر كثافة والمليئة بالتفاصيل". جعلني هذا الاقتباس أتأمل لبرهة من الوقت، فما يراه عبد الرحمن منيف في الكلمات، أراه بصورة مغايرة تماماً في الصور. فالتصوير كنوع من أنواع التوثيق في متناول يد الجميع. في وقتنا الحالي يمتلك المعظم أدوات تتفاوت في الاحترافية لكنها تؤدي الغرض سواء لالتقاط صور شخصية، أو صور للمدن والعمارة والمناظر الطبيعية وحتى مقاطع فيديو تحتوي على الكثير من التفاصيل والحركة والأصوات.

يعيب البعض بهرجة ذلك المحتوى الزخم التي يُتناقل بكثرة على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ويخضع في كثير من الأحيان إلى التحرير والمؤثرات وزيادة تشبع اللون أو التحكم بالإضاءة. حتى أن هناك تطبيقات تتيح إجراء عمليات تجميل سريعة للوجوه، فتُزال البثور والهالات السوداء ويُصغّر الأنف وتنفخ الشفاه وتصبح البشرة مخملية بكبسة زر.

وقياساً على نظرة منيف؛ تقع تلك الصور لأن تكون "ماكرة" أيضاً وألا تعكس الصورة الحقيقية لكن بالعكس. ففي الوقت الذي كانت فيه كلمات (منيف) تفشل في التعبير عن واقع غني وكثيف، تعكس كثير من صورنا صورة أكثر جمالاً وأكثر كثافة لواقع باهت و رتيب أقل مثالية وأقل بريقاً مما هو عليه على أرض الواقع.


هل نحن معنيّون بتوثيق القبح؟ هل علينا أن نتجاهل الجمال من حولنا؟ قطعاً لا.

سنلتفت في كل ربيع إلى جمال الطبيعة، وسيسحرنا بياض الثلج في كل شتاء، سنضحك لرؤية أعين الأطفال اللامعة، وسنبقى دائماً نلتقط صوراً في المناسبات والأعياد عندما نكون في أحسن هندام لنوثق تلك الأيام التي نكون فيها حسان المظهر.

لكن ما علينا الانتباه إليه - برأيي - ألا نبالغ. فلا نتكلف عناصر دخيلة على صورنا، أو نفتعل ضحكات غير حقيقية أو نشعر أن علينا دائماً أن نكون مثاليين وجميلين على الدوام. أن نحتاط من تلك الصور "الزلقة"، على غرار الكلمات التي تحدث عنها عبد الرحمن منيف، التي تجعلنا ننزلق أحياناً لفخ المقارنة بما هو غير واقعي.

سواء كان هذا المحتوى للإنتاج أو الاستهلاك (بما أن المعظم يقوم بالدورين بالتزامن) أعتقد أن علينا الالتفات لتفاصيل صغيرة تشعرنا ومن حولنا بالسعادة، تفاصيل في متناول يد المعظم، ولا تجرح من يفقدها أو تشعره بالحرمان. محتوى يساعدنا على التصالح مع الواقع البسيط، والاحتفاء بالعيش الهادئ، يقدّر القيم المعنوية ويتجاوز الاستهلاك. صور ومنشورات واقتباسات تلهم من حولنا، وتعطيهم شعوراً جيداً أو تدفعهم إلى التفكير، أو تمدّهم بجرعة من التحدي.  

يومي في ثوانٍ


بدأت في ٢٧ من كانون الأول العام الماضي بتصوير سلسلة من اليوميات المصورة جمعتها في وسم "يومي في ثواني". وهي عبارة عن مجموعة من مقاطع الفيديو التي لا تتعدى ال١٥ ثانية أجمع فيها مقاطع قصيرة لتوثيق لمحات من يومي. ففي كل يوم أحاول التقاط مقاطع فيديو قصيرة جداً، تتراوح بين الثانية الواحدة والخمس ثوانٍ، ثم أحررها وأقصرها وأجمعها بشكل متسلسل بحيث يكون مجموع الثواني خمس عشرة ثانية.
شاركت تلك المقاطع اليومية بمثابرة وانتظام على مدى الثلاثة أشهر الماضية على حسابي في انستجرام. كانت نشاطاً إبداعياً يومياً، دفعني لصناعة محتوىً بشكل شبه يومي. كان ممتعاً وحظي بتفاعل واسع من قبل الأهل والأصدقاء.

لكني في هذا الأسبوع، ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، بت أفكر في استمرارية هذا المشروع الشخصي. بعد ٣ أشهر، أستطيع أن أشارك بعض الانطباعات والدروس المستفادة من التجربة.


الجوانب اللطيفة في التجربة:

- ملاحظة تفاصيل يومية بسيطة
لأني كنت بحاجة إلى لقطات منوعة لصناعة اليوميات المصورة، كان علي ملاحظة تفاصيل صغيرة وتوثيقها. ساعدني ذلك على رؤية قطرات المطر على حوض النباتات، أو وضعية ظريفة لأحد القطط، وحركة الناس في شارع يعجّ بالحياة والمارة، ولون السماء وقت الغروب. كثير من تلك التفاصيل كنت لأغفل عنها في خضم الحياة اليومية لولا تلك العدسة المتفحصة التي كانت تيقّظني وتلزمني بإنتاج مقطع فيديو في آخر اليوم.
تجدر الإشارة إلى أن الأيام التي كانت تلقى تفاعلاً أكثر، هي تلك الأيام الهادئة التي كنت أقضيها في المنزل. على خلاف ما كنت أتوقع، فإن الأيام الحافلة بالأحداث أو الرحلات لم تكن تشد الانتباه بقدر ما كانت تفعل الأيام بطيئة الوتيرة. بعد شيء من التفكير يبدو ذلك منطقياً، أليس كذلك؟ من بحاجة لرؤية يوم استثنائي شيّق لشخص آخر في مدينة أخرى لا يستطيع هو/هي الذهاب إليها والقيام بأنشطة مشابهة؟
أظن أننا نميل لما يشبهنا ويشبه حياتنا ونتواصل معه. أؤمن بأن لدى الجماهير المتلقية على منصات التواصل الاجتماعي فراسة لا يستهان بها، وقدرة على الإحساس بالمحتوى المتكلف المتقن المبالغ بصنعه من جهة، وذلك العفوي الذي صُنع بتلقائية ودون رغبة بالاستغراض من جهة أخرى. كثيرون - وأنا شخصياً منهم- تلفت انتباههم تفاصيل الحياة اليومية العادية الرتيبة الصغيرة. لذلك كنت أسعد دائماً بالتعليقات والمشاركات أن مقاطع "يومي في ثوانٍ" شجعت البعض على ملاحظة التفاصيل اليومية الصغيرة والاستمتاع بها بشكل أكبر. 


- تقدير الطقوس العائلية والاجتماعية:
 الاجتماع على مائدة الفطور، أو أحاديث فنجان القهوة، أو الكنكنة في الشتاء ، وغيرها من الطقوس اليومية التي كنت أظن أنها اعتيادية للملايين من الناس،  أصبحت أراها من منظور آخر. 
ذكرني التفاعل والتعليقات بأن الكثير من الأمور ليست تحصيلاً حاصلاً، وأنها من النعم المغبون بها كثير من الناس.
كنت أتلقى العديد من التعليقات الدافئة المليئة بالنوستالجيا لأيام مضت، أو لمغتربين مشتاقين للمّة العائلية. وحتى أني تلقيت رسائل مؤثرة من أصدقاء على انستجرام كانت تذكرهم مقاطع الفيديو تلك بأيام سوريا التي اضطروا لمغادرتها، لبيت الجد، والاجتماعات العائلية. كنت أشعر بالغصّة والخجل من تلك الرسائل، وكنت أخاف أن تبعث تلك المقاطع المرارة والحزن على أيام مضت لدى الكثيرين. إلا أن تلك الرسائل غالباً ما كانت تصاحبها كلمات تشجيع لطيفة تطلب الاستمرار في صنع محتوى مشابه، حيث أنها تذكر مرسليها بذكريات جميلة.

- صناعة المحتوى كنشاط تشاركي
من اللطيف أن يشترك أفراد العائلة والأصدقاء في صناعة تلك المقاطع. كنت أركز دائماً على عفوية اللقطات وأن تكون مصورة بتلقائية وبنفس اليوم.  لكني كنت أحتاج للمساعدة في أحيانٍ كثيرة،  كتثبيت كاميرا الهاتف، أو تصوير لقطة ما (كإزالة ورقة الروزنامة اليومية التي يساعدني فيها أخي عبد الحميد)، أو الأفكار التي كان يقترحها بمرح الأقارب والأصدقاء. خالتي وبنات خالتي مثلاً كانوا يتعاونون دائماً ويذكروني بحماسة  بتصوير لقطة ما من زياراتنا العائلية، وكانوا متعاونين جداً ويساعدونني في الإضاءة و زوايا التصوير. عمتي أيضاً كانت شديدة الصبر، وتحملتني بكل حبّ في أيام عديدة كذلك اليوم الذي صورتها فيه وهي تصنع الكراوية أو في أحد أيام الجُمع وهي تسكب المنسف (عوضاً عن مساعدتها). خلقت مقاطع "يومي في ثوان" شيئاً من المرح، وأضحت نشاطاً تفاعلياً يشترك فيه الحاضرون في تلك الأيام، ويترقبونه نهاية اليوم ليروا الثانية التي ظهروا فيها. 

هناك أيضاً بُعد تفاعلي تشاركي آخر، وهو اهتمام الكثيرين بتجربة التوثيق اليومية، وقيامها بعمل نسخهم الخاصة من "يومي في ثوانٍ". شاركني العديدون مقاطع جميلة قاموا بإنتاجها لتوثيق رحلات أو أيام معينة. كنت أسعد كثيراً عندما يرسلونها لي بشكل خاص أو يشاركونها على الوسم (#يومي ـ في ـ ثواني). ساعدتني تلك المشاركات الجميلة من حول العالم، ومن الوطن العربي تحديداً، على التعرف على أصدقاء انستجراميين لم أرهم يوماً وجهاً لوجه.  كانت تأخذني إلى مدنهم، أشرب معهم قهوة الصباح، وأستقل معهم المواصلات، وأشتري معهم الخضار الموسمية من الأسواق الشعبية، وأرى العالم من خلال أعينهم. الحياة في الكويت، والدار البيضاء، والقاهرة وغيرها من المدن التي لم أذهب إليها (بعد :))، حياة حقيقية محلية أصلية بعيون أصحابها. 

- الالتزام والمواظبة
عند النظر بأثر رجعي إلى الثلاثة أشهر الماضية، أشعر بالرضى والسعادة لتمكني من الالتزام بذلك المشروع الشخصي والمواظبة عليه يومياً. "يومي في ثوانٍ" كان بمثابة دورة شخصية مكثفة لتطوير مهارات التصوير وتحرير مقاطع الفيديو ومشاركة محتوى بشكل منتظم على حسابي في انستجرام.


الجوانب السلبية في التجربة:

- الاضطرار إلى إبقاء الهاتف في متناول اليد طوال الوقت
بعض اللقطات مخطط لها، والبعض الآخر عفويٌ لا نعرف متى يحصل. لذلك كان لا بد من إبقاء الهاتف قريباً، ومشحوناً، وبذاكرة كافية لتخزين مقاطع الفيديو الكثيرة، غير تحرير المقاطع مساء كل يوم. كل ذلك كان مجهوداً لا بأس به. بسبب ذلك أشعر أني بحاجة إلى استراحة (فأنا أشتاق لحميتي الإلكترونية)، استراحة من التصوير ومن وهج الشاشات ومن بعض التشتت هنا وهناك.

- الاختزال
اليوم ٢٤ ساعة، ١٤٤٠ دقيقة، ٨٦٤٠٠ ثانية. نحن نقتطع من تلك ٨٦٤٠٠ ثانية ١٥ ثانية فقط لنوثق كيف كان ذلك اليوم. بالتأكيد لن نستطيع عكس صورة واقعية لمجريات الأحداث السلبية والإيجابية. سنميل إلى توثيق ما هو جميل منها، ولذلك من السهل الوقوع في فخ الأيام المثالية بالغة السعادة التي ليس لها وجود على أرض الواقع. لذلك فإن واقعية ذلك محتوى مشكوك بأمرها. 


ختاماً، لا أدري إن كنت سأكمل صناعة تلك المقاطع أو لا. ربما أشاركها بين الحين والآخر، أو ربما ألزم نفسي ثانية بها استكمالاً للنشاط التوثيقي طالما أن لدي القدرة والوقت لذلك. أو ربما يجب أن استحدث فكرة إبداعية أخرى ألزم نفسي بها الفترة القادمة. لست أدري بعد. 

لقيمات هنية


البعض يقولون عنه "غذاء للروح" وآخرون يصفونه بأنه "باعث على الراحة"؛ ما هو سر الطعام الذي يؤكل ويكون هنيئاً مرئياً في أيام لا يمكن وصفها بأنها مشرقة أو سعيدة؟ 


يقال أن هناك أنواعاً مختلفة مما يعده الناس طعاماً باعثاً على الراحة. هناك الطعام المرتبط بالنوستالجيا؛ كالبيض المقلي على طريقة الجدّة، أو طبخات مقترنة بالطقوس كأكلات اللبن في اليوم الأول من العام الهجري أو الميلادي، أو وجبات نشأنا على حبها منذ كنا أطفالاً وتشعرنا بالحنين إلى الماضي كلما تناولناها، كالأطباق التي تحضّر في المناسبات على غرار التبولة والحراق أصبعه وغيرها.


أما بالنسبة إلى البعض فإن الطعام الباعث على الراحة هو الطعام الغني بالكربوهيدات كالمخبوزات بأنواعها أو بالسعرات الحرارية و التي تكون فيه النكهات مركزة؛ الحلو حلوٌ جداً كالشوكولاته والبوظة، والمالح مملحٌ بسخاء كالبوشار والمكسرات ورقائق البطاطا، والحامض لاذع كالسكاكر المغلفة بملح الليمون.

يقال أن الراحة الناتجة عن ذلك النوع من الأطعمة لحظية، فبمجرد الانتهاء من الطعام تنتهي اللذة ويأتي محلها شعور مزعج بالامتلاء. لهذا السبب يصر الكثيرون على أن الطعام المريح هو ما كان سهل التحضير من جهة، وسهل الهضم من جهة أخرى.



عملية التحضير مهمة لأنها هي ما تجعل طعاماً ما "باعثاً على الراحة" أو كما نقول في لهجتنا "النَفَس".. فالخبرة وحدها أو التقييد بإرشادات الوصفة لا يكفي؛ نَفَس من يقوم بتحضير الطعام يحدد إن كان الطبق لذيذاً أم لا. كما يقال أن هناك أناس "نفسهم طيبة"، و أن من يأكل في بيوتهم أو من ضيافتهم "يتهنّى".


أذكر مرة أنني رافقت صديقتي وأمها إلى السوق الأسبوعي في أحد ضواحي اسطنبول في القسم الآسيوي. ونحن في السوق قالت الأم أننا قريبون من بيت أهلها وأن علينا الذهاب للسلام على الجد والجدة، وأن زيارتنا السريعة ستكون فرصة لأداء صلاة الظهر التي حان وقتها. بعد أن خلعنا أحذيتنا على الباب وقبّلنا يديّ الجدة، دخلنا على بيت صغير هادئ بنوافذ كبيرة، ستائره بيضاء ومشغولة جوانبها يدوياً بالسنارة. لم يكن الوقت قد حان لأي وجبة، فقد تخطينا الفطور ولا يزال هناك متسع من الوقت للغداء، لكن الجدة أصرت أن نتناول حساء خضراوات موسمية. قلت لها مجاملة أنه لا داعٍ لكنها قالت ببالغ الجدية: "حسائي لا يُفوّت .. حسائي فيه شفاء". ابتسمت من فكاهة الجدة، فهي مجرد شوربة خضار بالجزر المسلوق والكرفس، لكن ملامحها غدت أكثر جدية وقالت بنبرة تقارب العتاب على ابتسامتي المستهترة: "أطبخ طعامي بنية الشفاء، أريد أن أؤجر دائماً وأن يأكل من طعامي الأبرار."
كان لتلك الكلمات وقع كبير علي، جعلت من زبدية الشوربة تلك طعاماً مميزاً. استشعرت في كل لقمة بُعداً غريباً سائغاً و "مريحاً". وبقيت كلمات الجدة في بالي كلما حضرت طعاماً لعائلتي.




نفسيات وفصول


إنه ذلك الوقت من العام الذي يُروّج فيه إلى أن التقلبات المزاجية التي تواجه الكثير من الناس بالتزامن مع الاعتدال الخريفي طبيعية. على الرغم من شيوعها و وجود بعض الدراسات التي تدعم هذه النظرية إلا أن لها وقعاً على مسامعنا يوحي وكأنها إشاعة، أو خرافة متداولة على غرار الأبراج، أو تفسير كسول من مستمع ملول لشكوى أحدهم ولتعبيره عن الانزعاج أو عدم التوازن الذي يشعر به.
ربما كانت فعلاً ضرباً من الهروبية نقوم به لإلقاء اللوم على خفوتنا الموسمي وعدم نشاطنا وتعكر أمزجتنا، و لربما كان ظاهرة حقيقية على غرار المد والجزر وظاهرة القمر المكتمل وغيرها .. كلها تكنهات.
يبقى لنا الاعتراف أن إلقاء اللوم والتهرب من المسؤولية فيه راحة جزئية (وإن كان كاذباً ومؤقتاً)، فيبدو أن هناك حاجة دائمة لدى الانسان للشعور بارتباطه بشيء أكبر منه، يستعين به لتفسير كل ما هو غير منطقي في حياته، وتعاقب الفصول أحد تلك التفسيرات الكسولة.

الأبيات التالية لأبي بكر الصنوبري:









أسبوع الأكل الأردني - خيبة أمل أخرى


هناك إجماع واسع على فقر عمّان وباقي محافظات الأردن عموماً بالمرافق والمساحات العامة. لذلك ومع حملة إعلامية تصل الجرائد واللوحات الإعلانية ومواقع التواصل الإجتماعي نجد إقبالاً كثيفاً وحضوراً لافتاً على الفعاليات الموسمية والمهرجانات. يكون رواد تلك الأنشطة متأمّلين بتجربة عائلية لطيفة، أو نشاط جماعي يكسر الروتين ويكون بعيداً قدر الإمكان عن استهلاكية فجّة تتمحور حول ثقافة الجلوس في المطاعم والمقاهي والمراكز التجارية.

يفترض بفعاليات من هذا النوع أن تكون أليفة وجامعة لأطياف متنوعة من المجتمع المحلي وفرصة التقاء لعوالم مختلفة لا تحتكّ أبداً لعدم وجود حدٍ أدنى من الحضرية أو الحياة المدنية بحكم غياب نظام مواصلات عامة محترم ومرافق وميادين وحدائق. لهذا نعوّل على فعاليات من هذا النوع أن تكون مرحبة بالجميع على اختلاف مستويات الدخل، أو الفئات العمرية، وأن تشكل أماكن مريحة لكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، وربات البيوت وطلاب الجامعة وغيرهم من مكونات المجتمع المرئية وغير المرئية في المشهد اليومي.

وجاء "أسبوع الأكل الأردني" ليكون خيبة أمل أخرى لمجتمع منهك ومتخم بالضربات والخيبات.


تطالعك في البداية جموع الناس وتشعر بالتفاؤل عند رؤية الإقبال، تصطف للتفتيش الأمني (الشكلي؟ غير الضروري؟) وتستشعر أولى علامات الإقصائية عند حاجز "الدخولية" أو تذكرة الدخول.

إذا كنت سأدخل ل شراء منتجات وأطعمة ومشروبات، لماذا علي دفع دينارين عن كل شخص؟
تماماً كطلب أجرة دخول على باب "المول" أو بشكل أدق لدخول "ساحة المطاعم".

أم أن هذا تكتيك مقصود لمنع جمهور معين من الدخول؟ وبشكل أكثر صراحة و "بالمشرمحي" من دخول سكان منطقة راس العين وحي المهاجرين والجبال القريبة؟
بالطبع فدفع دينارين عن كل شخص لعائلة مكونة من ٥ أو ٦ أشخاص بداية غير مبشرة، ١٠ دنانير "ولا فتّينا ولا غمّسنا".
وضع شاب ضخم سواراً ورقياً على أيدينا يؤكد دفعنا للدخولية وأنا قلت في نفسي "أول الرقص حنجلة".

أخذنا لفة في المكان المزدحم بالمارة والمشاركين على حد سواء على أنغام موسيقى "الروك" التي - أكاد أجزم - أنها لا توافق ذوق ٧٠٪ من الحضور على أقل تقدير. كما هو متوقع ضمّ المكان مطاعم مشهورة ومقاهٍ محلية وعلامات تجارية ناشئة. وجود خجول للمحافظات انحصر بمكبوسات وزيتون وجميد ومنتجات ألبان. لم أرَ مكمورة إلا كصورة ديكور، لا أقراص ولا خبز طابون ولا ما يحزنون، بالكاد عثرنا على مكان يقدم لزاقيات.


وبما أن كل الفكرة دعم المحلي، والتواصل مع موروثنا، وقفنا لاستطلاع الخيارات أمام محل تعمل فيه فتاة سمراء توحي ابتسامتها ولهجتها أنها من خارج عمان، لكن من تلقّفنا مباشرة كان شقراء اكتسب جلدها سمرة برونزية محمرة بسبب سباحة وتشمس حديثين، تتحدث بصوتٍ ثابت وصارم عن لائحة الطعام ومكونات كل صنف.
طلبنا لزاقيات بالحلاوة. بدأت الفتاة السمراء بإعداد الحلوى و وضعت وهي منهمكة سمناً بلدياً، نهرتها الشقراء وقالت بنبرة غير ودودة "حلاوة حلاوة مش سمنة وسكر" فتدخلنا ونحن نشاهد الذعر يتسلل إلى عيني الطاهية أنه لا مشكلة من المكون الإضافي.
وُضِعت الحلوى بطبق بلاستيكي كبير وغطاء بلاستيكي امتنعنا عن أخذه هو والشوكة والسكين البلاستيكية والمغلفة بالبلاستيك؛ أعباء بيئية ونفايات لا طائل منها.
قلنا للشقراء لا نحتاج للشوكة والسكين سنأكلها بأيدينا وأضاء وجه الفتاة السمراء بابتسامة انتصار صغيرة وقالت بانتشاء وثقة طارئة: "أصلاً ببتاكل بالإيد".


مشينا أكثر لنرى شباب وشابات يرتدون قمصان بيضاء موحدة كتب عليها جهة الظهر بالإنجليزية "Here to Help"، إقصائية أخرى للغة الرسمية في البلاد، ولمن بينه وبين الإنجليزية حاجز. لماذا؟ هل تبدو "كيف يمكنني مساعدتك" أو "هنا لمساعدتك" عبارة رجعية أو متخلفة؟

والحديث يطول عن آليات التسعير المجحفة. لا أدري إن كان المشاركون "مدعومون" وأنهم تلقّوا دعوة لعرض منتجاتهم، أم أنهم دفعوا للجهات المنظمة ولأمانة عمان - مع أني أستبعد لأني شعرت بالغثيان من كثافة وجود شعار وكالة التطوير الأمريكية التي تتبجح بوجودها / تنظيمها / تمويلها ...؟ الله أعلم ما دور الوكالة أصلاً في كل الميمعة "المحلية". المهم، إليكم أعزائي القراء فكرة عن أسعار المنتجات:
كوب بوظة صغير- ٤ دنانير
كوب قهوة مثلجة - ٤ دنانير
١٠٠ غرام توفي - ٦ دنانير
شطيرة برغر وبطاطا مقلية - ٨ دنانير
كتاب (بالانجليزية) عن "تمكين" النساء بالطبخ (؟٪#!) - ٢٥ ديناراً.

أعطي الفعالية ٣ من ١٠، فقد شعرت وكأني خدعت وانتهى بي المطاف بالقيام بنشاط استهلاكي آخر مقتصر على طبقة معينة لا تعنني بصراحة. فعالية زادت الشروخ في مجتمعٍ ليس بحاجة لأية خدوش إضافية. كما قال ربيع زريقات في منشور حديث له على الفيسبوك: "في حال الدخول على الموقع الإلكتروني للفعالية ستجدون "عمان الشرقية" ضمن قائمة المحافظات مع الكرك ومعان والعقبة... على اعتبار أن "عمان الشرقية" محافظة بذاتها مسلوخة عن العاصمة بقدرة قادر."
أحسن زريقات في تقييم الفعالية وأورد إضاءات هامة عن اختزال ثقافة الطعام بدلاً من أن تكون تشاركية وتفاعلية كان فيها شيء من الفوقية والإحسان لسيدات الأردن المشاركات وكأنهن أقل حظاً.

المصدر 

إذا كنت سأختم هذه التدوينة بشيء من الإيجابية (على فرض أني سأعطي الفعالية فرصة ثانية في حال تكررت في الأعوام القادمة) فالتالي توصيات واقتراحات:

١. تصميم الفعالية بشكل يكون أكثر رحابة سواء مادياً بتخصيص مساحة واسعة يتناسب فيها عدد المشاركين مع عدد الحضور ومعنوياً بإلغاء الدخولية والترحاب بالجميع
٢. إشراك عدد أكبر من المشاركين ممن يتماشى منتوجهم مع "أكل الشارع" بإيجاد خيارات تناسب مختلف الشرائح والميزانيات. والخيارات كثيرة: كالكعك والبيض، الفلافل، سندويشات لبنة ومكدوس وحواضر، وكرابيج حلب وغيرها من الحلويات الشرقية.
٤. إتاحة أنشطة تفاعلية يقوم بها الناس بالطهي سوية أو تعلم عمل وجبة تقليدية وتناولها بشكل جماعي
٣. مراعاة البعد البيئي (ولا الجهات المانحة شغل تنظير وبس؟) : معظم المأكولات تقدم لتؤكل مباشرة، لذلك إما التفكير بتقديم المأكولات بالحد الأدنى من المخلفات أو يمكن الاعتماد على الأطباق الورقية مع إيجاد أماكن مخصصة لإعادة تدوير البلاستيك والعلب المعدنية.
٥. تخصيص أماكن أكثر للجلوس وتناول الطعام، واعتماد موائد كبيرة طولية تشاركية تتيح حتى للغرباء الجلوس سوياً.
٤. تخصيص مكان للصلاة - للأقلية المسلمة على الأقل (!)


متلازمة الشهرة المشوّهة


استيقظت اليوم باكراً، ولم يكن أول ما أفعله بعد أن أفتح عيناي - على خلاف أعداد متزايدة من الناس - هو البلكشة في هاتفي الخلوي. لا أزال صامدة وملتزمة قدر الإمكان بالحمية الإلكترونية التي تؤجل احتكاكي بالفضاء الإلكتروني ساعتين بعد الاستيقاظ وساعتين قبل النوم وتوفر لي شيئاً من راحة البال، والمزيد من الوقت والتركيز في أنشطة شخصية.

بعد فطور هادئ مع العائلة، وأعمال منزلية صباحية بسيطة، فتحت تطبيق الانستجرام لأرى خاصية "السؤال" الجديدة. ردة فعلي الأولى كانت الانزعاج بصراحة، شعرت بشيء من الضيق وأنا أراها تكتسح حسابات من أتابعهم و تذكرت روابط كنت أصادفها في مواقع تواصل اجتماعية أخرى ولا ألقي لها بالاً لمنصات على غرار آسك أو صراحة. قلت في نفسي: الله يسهّل عليكِ يا زايدي سميث!


المصدر

في أحد مقابلات زايدي سميث سُئلت عن إدمان الفيسبوك، وما شاركته يمكن قياسه على مواقع أخرى مثل تويتر وانستجرام. أتفق مع سميث أن مشكلة تلك المنصات هي تحويل الجماهير لمجموعات من المشاهير الصغار، حيث يعيشون شهرة مشوّهة ولديهم قاعدة من المعجبين والمعجبات - مهما عظم أو صغر نطاق تلك القاعدة -. العلاقة ليست سليمة، فهي استعراضية مهما حاول مطوّرو تلك التطبيقات إضافة خاصيات "تفاعلية" لها، ستبقى أحادية الجانب لدرجة كبيرة ومعتمدة على التلقي السلبي.



في وقت أشعر فيه أن فقاعتي الجميلة (على رأي ربى شمشوم) هشّة وأقل مقاومة، أجد نفسي حساسة للآثار المترتبة على تلك المواقع.
أنا مدركة أن العيش من دونها يكاد يكون غير ممكنٍ هذه الأيام، وللأمانة هناك جوانب أستمتع فيها وأراها جميلة تجعلني أكثر وعياً وتمدني بالإلهام والأفكار وتعرّفني على أشخاص وأماكن لطيفة، لكن الخوض فيها مثل رحلة مليئة بالأفخاخ، وكلما قضيت المزيد من الوقت في استخدامها، شعرت بمشاعر سلبية وبتّ أخاف على سلامتي العقلية ونفسيتي.


المصدر


المطمئن في الموضوع أني لست وحدي، فأعراض مثل التوتر والاحباط ترافق الغالبية العظمى من الثلاثة بلايين مستخدم ومستخدمة لتلك المواقع حول العالم. لكن ما يمكننا فعله هو زيادة وعينا، وتذكير أنفسنا بالأفخاخ التي ترافق استخدامنا لمواقع التواصل الاجتماعي وتفاديها.

الفخ الأكثر شيوعاً هو الاعتقاد أن حياة من نتابعهم مثالية لمجرد رؤية إلماعات سعيدة بشكل متكرر.
معظم ما يتم مشاركته هو أكثر اللحظات سعادة وإشراقاً في حياة الناس. فمواقع التواصل الاجتماعي منصات لأرشفة انتصاراتنا الصغيرة والكبيرة، إنجازاتنا الأكاديمية والمهنية، الصور التي نكون فيها أنيقين ونظهر بمظهر جيد، أسفارنا ومناسباتنا السعيدة وعندما نكون محاطين بالأهل والأصدقاء والأحباب.
ما يحصل أننا نقع في فخ المقارنة؛ مقارنة "ما وراء الكواليس" في حياتنا اليومية من تحديات وصعوبات مع ما نراه من إلماعات لحظية سعيدة في أحداث مفصلية في حياة من نتابعهم.

كما يمكن النظر إلى الأمر بشكل معكوس بالتمعن بمقصدنا من مشاركة صورة أو تغريدة أو أي منشور. من المجدي التفكير لبرهة في الهدف من وراء مشاركة محتوى ما، الرسالة المبطنة التي ستصل إلى من يشاهد. لا أعتقد أن أحداً منا يريد أن يتباهى أو يستعرض أو يشعر الآخرين بسوء وبأنه/أنها أفضل منهم، على الأقل، هذا ما أود تصديقه ..أن لا أحد يقوم بهذا بشكل ممنهج.
لكن ما يحدث أن هناك ثقافة مستحدثة من الترويج للنفس وتسويق الإنجازات على مدار الساعة لإقناع جميع الناس بأننا ناجحون ومحبوبون ومثيرون للاهتمام، وكأن الجميع في سباق غير معلن. برأيي المتواضع علينا ألا ننصاع لتلك المنافسة المرهقة، وبكل احترام وشفافية نستطيع إلغاء متابعة الأشخاص الذين لا يثري محتواهم الإلكتروني حياتنا اليومية خصوصاً إن وصلنا شعور أنهم في سباق مع أنفسهم (أو مع أي كان).
الأمر بتلك البساطة. ضغطة زر وإلغاء متابعة.
لا نحتاج لعبء إضافي يزيد من سُمِّيّة الحياة المليئة بالتحديات والمنغصات أصلاً.

فخٌ آخر أواجهه كثيراً هو فخ الرواج والمردود.
تساؤلات مثل: هل نحن رائجون كفاية؟ هل المحتوى الذي نقدمه يحظى بشعبية كافية؟ هل حصلنا على عدد مشاهدات عالٍ؟ ماذا عن عدد الإعجابات على صورة، مقطع فيديو أو تدوينة قمنا بمشاركتها مؤخراً؟

الإعجاباب والمشاهدات والمشاركات باتت المقياس وهو ما يعطي قيمة لمحتوى ما، والذي شبّهته بايلي بارنر بالعملة. فهو - على حد تعبيرها - عملة غير نقدية مقابل سلعة أو منتج، وتلك السلعة هي نحن! فنحن نسمح بتسليع أنفسنا (أي جعل أنفسنا سلعة ) وقياس قيمتنا أو أهميتنا بعدد الإعجابات على صورة شخصية، أو إعادات التغريد على أحد آرائنا أو عدد المشاهدات لأحداث حياتنا.

وما يحصل أننا في كثير من الأحيان، نقوم بمحي تغريدة أو إزالة صورة من ألبوماتنا لأنها لم تحصل على "تفاعل" كبير، أي إزالة منتجنا من الرف، لأنه لم يكن رائجاً كفاية.

هذا أحد تحدياتي الشخصية: التحرر من سطوة عدد الإعجابات في الصور التي أشاركها على انستجرام.
أذكر نفسي دائماً بالسبب الذي دفعني لمشاركة منشور ما حتى وإن لم يلقَ رواجاً مقارنة بالمنشورات الأخرى على الحساب. في العادة أحب أن أشارك تفاصيل صغيرة جعلتني أبتسم، أو لحظات صفاء عابرة في مكان ما، أو سعادة استشعرت تلقائيتها في أمر في غاية البساطة. أحب أن أشارك الجمال، لا أكثر ولا أقل.
من الطبيعي جداً ألا تحصد جميع الصور أعداداً متماثلة من الإعجابات و التعليقات. بالمقابل يسعدني جداً أن أسمع تعليقات لطيفة بمعرض الحديث وبأثر رجعي من أشخاص أعرفهم معرفة شخصية وأثق برأيهم وذائقتهم الفنية، عن تلك المنشورات غير الرائجة والتي أعجبتهم لأنها حاكت شيئاً بداخلهم.

في العادة أميل إلى تفضيل الفنون المختلفة والموسيقى المستقلة والأفلام البديلة وغير التجارية البعيدة عن شباك التذاكر والتي لا تكون في العادة مشهورة جداً أو يعرفها الكثيرون، قياساً على ذلك، ألا يجب أن أرغب أن يُرى محتواي بنفس المنظور؟!

بالطبع هناك العديد من الأفخاخ الأخرى؛ كفخّ الإدمان، والتنمر الإلكتروني، والخوف من أن يفوتك شيء ما، أو فخ المنافسة مع الأقارب أو زملاء العمل والحديث يطول. لكل منا رحلته الخاصة، وتحدياته الفردية، وبما أننا نقضي الكثير من الوقت على تلك المواقع الإلكترونية، علينا إيقاظ أنفسنا من التغييب الجمعي الذي يحصل كل فترة، وعدم الخوف من السباحة عكس التيار، أو على الأقل؛ إبقاء عدسة نقدية في نظرتنا إلى الأمور حتى وإن انتشرت بشكل كاسح.

الحراك الشعبي: عندما يخرج المارد


يعيش الشارع الأردني حالة من النشوة بعد انتصاره بإسقاط حكومة الملقي، وتعهد رئيس الوزراء المكلف الجديد بسحب قانون الضريبة الذي أشعل فتيل "الأزمة" على حد تعبير الصحف المحلية.

الأردن: اعتصام مجلس النقابات المهنية في عمان
وعقب انتصار إرادة الشعب، يتندّر الكثير من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بشماتة مفهومة على كل من شكك وخوّن وحاول إثباط عزيمة المتظاهرين والمعتصمين والمشاركين في الإضراب أو أي شكل من أشكال الحراك الشعبي. والحقيقة أن وجود أولئك المشككين - سواء بسلبية بريئة أو بانحياز أعمى للنظام - مظهر طبيعي، و وجودهم غير المحبب والمستفزّ على الدوام أحد العناصر الأساسية في أي مشهد سياسي تجتاحه حركة من حركات الاحتجاج السلمي.
هذا ما أكدّه الصحفي والحقوقي "ستيف كراوشو" في محاضرة حديثة له في جامعة لندن للاقتصاد عنوانها "هل حقاً هناك جدوى من الاحتجاجات؟"

يجيب عن هذا السؤال الأكاديمي دانيال ك. جيلين في كتابه "القوة السياسية للاحتجاج" الذي بنى نظرياته بعد دراسة الحراك المدني - مع تركيز على موضوع حقوق الملونين - في الولايات المتحدة بين ١٩٦٠ و ١٩٩٠. يعتمد نجاح الاحتاجات - بحسب جيلين - على نوعها ومدتها، فهي تحتاج لنفس طويل ومواظبة لأطول فترة ممكنة. على سبيل المثال؛ تمرد روزا باركس و رفضها إعطاء كرسيها في الحافلة لرجل أبيض كان بداية إلغاء قوانين التمييز العنصري، وهو ما أشعل حركة طويلة من الاحتجاج تمثلت بما يسمى "مقاطعة مواصلات مونتغمري" والتي امتدت ل ٣٨١ يوماً. وعليه فإن استمرارية الضغط الشعبي هي المفتاح الحقيقي للتغيير.

كل حركة احتجاجية لا بد وأن ترافقها موجات من التشكيك والتخوين والتقليل من فعالية الحراك الشعبي. يدعي أولئك السلبيون أنهم واقعيون وأن ما يطلبه المحتجون غير منطقي ويستعصى تحقيقه إلى أن يتم تحقيقه بالفعل.

الأردن: منطقة الدوار الرابع في اليوم السابع في الاعتصام (المصدر)

يذكرنا ذلك بالعديد من الحالات في بلدان حول العالم في حقب تاريخية مختلفة، مثل انهيار الاتحاد السوفيتي، وسقوط جدار برلين، الحراك السياسي في البرازيل، واحتجاجات بولندا وثورة إيران وحتى الإطاحة بمبارك الذي حكم مصر لثلاثة عقود متواصلة. المفصل هنا هو قوة الشعوب، وقدرتها على التغيير. هذا ما طرحه "كراوشو" في مجموعة من الحالات الدراسية التي أوردها في كتابه الأخير "روح الشارع". فعندما يجتمع المستضعفون على هدف واحد فإن اجتماعهم ذاك يخلق قوة عظيمة تهابها حتى أكثر الأنظمة شمولية ودكتاتورية. وتلك القوة السلمية تتمتع بروح من التحدي والابتكار في التعبير عن المطالب والاعتراض و تتّسم بشيء من الدهاء والفكاهة في كثير من الأحيان.

عندما نسمع مفردات مثل "احتجاج" أو "تظاهر" أول ما يتبادر إلى أذهاننا مسيرات حاشدة لمجموعة من الناس في أماكن عامة مع تواجد أمني كثيف للسيطرة على تلك التجمعات. لكن للحراك المدني وجوهاً أكثر من ذلك بكثير، تماماً كإضراب أيام الأربعاء الذي دعت له النقابات المهنية، أو توقيع العرائض، أو وسائل التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي. 

من البديهي أن المحرك الأساسي لتلك الحركات الاحتجاجية هو الاستياء والغضب والحنق من السلطة. وعلى الرغم من الآثار المدوية لها كنشر الوعي، أو لفت الانتباه لقضايا معينة أو حتى الإطاحة بدكتاتوريات مزمنة؛ فإن أشكال الاحتجاج لا تكون عنيفة بالضرورة. والأمثلة كثيرة، تماماً كجمع ٤٥٠٠ زوجاً من الأحذية أمام مجلس الاتحاد الأوروبي في بروكسل، في رمزية لكل الشهداء الفلسطينيين في العقد الماضي على إثر مجارز الاحتلال الأخيرة في غزة.  وهناك أيضاً الحركة أمام مبنى الأمن الفيدرالي في موسكو  بصنع طائرات من الورق لمحاكاة شعار تطبيق "تيليجرام" احتجاجاً على حجب السلطات الروسية للتطبيق، أو أعمال رمزية أشبه بالفنون المعاصرة كحركة عمال البناء الإيطاليون في شباط ٢٠١٣ بصف الخوذ التي يلبسونها أثناء العمل في ميدان عام، كرد فعل على تراجع القطاع وخسارة العديد منهم أعمالهم بسبب الركود الاقتصادي.

بلجيكا: ٤٥٠٠ حذاء أمام مجلس الاتحاد الأوروبي في بروكسل مقابل الفلسطينيين الذين استشهدوا العقد الماضي (المصدر)
روسيا: الطائرات الورقية كأسلوب للاحتجاج على حجب السلطات تطبيق "تيليجرام" (المصدر)
إيطاليا: مظاهرة خوذ عمال البناء (المصدر)
إيطاليا: مظاهرة خوذ عمال البناء (المصدر)

قام الباحث والأكاديمي "جين شارب" بتطوير قائمة جمع فيها ١٩٨ شكلاً من أشكال الاحتجاج السلمي. إن المتفحّص لتلك القائمة يلاحظ تنوعها وتعدد أوجهها الدينية والاقتصادية والسياسية والرمزية. العديد العديد من مظاهر الاحتجاج، كأداء شعائر دينية بشكل جماعي في مكان معين - وهذا ما فعله معتصمو الدوار الرابع بتناول الإفطار أو السحور مكان الاعتصام -، أو الإضراب عن الذهاب للعمل أو فتح المحال التجارية، الإضراب عن الطعام، أو حتى استخدام الحيوانات كما قام نشطاء في أوغندا بتنظيم مظاهرة للخنازير التي تم طلاء شعرها بلون الحزب الحاكم والتي سببت إرباكاً مضحكاً للأمن.
أرجح الظن أن تلك القائمة ستكبر وتتمدد حيث لا ينفك المقموعون والمقهورون والنشطاء حول العالم بابتكار طرق ريادية للتعبير عن أنفسهم.

والسؤال الذي يطرح دوماً هو كيف يتم تحويل أنشطة الاحتجاجات الشعبية إلى حراك سياسي فاعل؟
يقترح "إريك ليو" ثلاث تكتيكات لتحويل الحراك الشعبي إلى تغيير سياسي مستدام:

١. توسيع نطاق ما هو "ممكن"
الخطوة الأولى هي تحدّي المسلمات، وعدم الاستجابة لخطاب "لن يتغير شيء" أو "كل ما تقومون به ليس له جدوى" أو "ما تطالبون به كثير أو غير منطقي". الرد الأمثل على مثل هذا الخطاب الاستسلامي يجب أن يكون قوة ذاتية دافعة مؤمنة ب "لم لا؟" و "ماذا لو تمكنا من ذلك؟" والإيمان بالقدرة على التغيير.

٢. اختيار نزال مفصلي
النزال المفصلي يكون بالمطالبة بتغيير مهم ينبني عليه تغييرات أخرى مهمة وذات صلة. مثال على ذلك، السعي لتحديد حد أدنى عادل من الأجور، فهو تفصيل مهم، لكنه في نفس الوقت مدخل للكثير من القضايا كتحقيق العدالة الإجتماعية و التمكين الاقتصادي من خلال مراجعة لظروف العمل والتشغيل، وخلق فرص عمل عادلة للأفراد وغيرها من الجزئيات التي تندرج تحتها.

٣. السعي لفوز "مبكر"
الحراك كما ذكر آنفاً يتطلب طول نفس ومثابرة، وقد يكون مثيراً للتعب والكلل ومستنزفاً للطاقة في بعض الأحيان. لذلك من الضروري التفكير استراتيجياً بتجزئة المُهمّة إلى مراحل، والاحتفاء بتحقيق هدف كل مرحلة.
الانتصارات - وإن كانت صغيرة نسبياً - تخلق الدافع، وتجدد الإيمان بالقدرة على التغيير. تماماً كالاحتفال بسحب قانون ضريبة الدخل بعد إسقاط الحكومة السابقة مع التفاؤل الحذر والحلم بوعي كما يقول همام يحيى، آملين أن يكون بداية لسلسة من التغييرات الإيجابية بعد عقود من خيبات الأمل.


هل كان الناس سابقاً أكثر احتراماً للمواعيد؟


عندما كنت في لندن، كان لدي صديقة إيطالية لطيفة اسمها مارتا. مارتا لم تكن فقط زميلتي في التخصص، بل جارتي أيضاً في السكن الجامعي الذي كنت أسكن فيه. ولأنها من إحدى دول حوض المتوسط، كنا نشعر بشيء من التقارب، نمشي معاً من وإلى الجامعة بشكل دوري، نتقاسم الفاكهة على الطريق ونتبادل الأحاديث عن الدراسة والطعام والعائلة ونتندّر (أحياناً) على برود الأوروبيين الغربيين وإيقاع الحياة السريع في دول الجزء الشمالي من العالم. 

كان لدى مارتا حس فكاهة لطيف، كانت مضحكة دون أن تكون لئيمة أو تسيء إلى أحد، وكانت تروي القصص بشكل جميل وجذاب حافل بالتفاصيل بلغة إنجليزية سليمة وبلكنة إيطالية ثقيلة. أتذكر جيداً قصص مارتا التي كانت تخبرني فيها عن جدتها. أحد تلك القصص التي لم أنسها أبداً، أخبرتني فيها مارتا عن نظرية من نظريات الجدة.

في أحد اجتماعات العائلة وفي نوستالجيا متوقعة إلى عقود غابرة مضت، تشير الجدة إلى أن الناس يميلون لأن يكونوا أكثر احتراماً لكلامهم ولمواعيدهم كلما قلت وسائل التواصل لديهم.
تروي الجدة أنه في طفولتها، كانت الطقوس مقدسة، عندما يقال؛ تجتمع العائلة بعد قداس الكنيسة يوم الأحد فإن العائلة قاطبة تعرف الموعد والجميع يأتون إلى الموعد. لا حاجة "للتأكيد على الموعد" ولا يتخلف عنه أحد إلا لظروف قاهرة جداً يعرفها الجميع. وبعد انتشار الهواتف الأرضية، صار الناس يتفقون على الاجتماعات واللقاءات عبر المكالمات الهاتفية، مع وجود إمكانية لتأجيل أو إلغاء الموعد عدة أيام مسبقة وكان من اللياقة ذكر السبب بالتفصيل.

أما الآن - تقول الجدة - فإن الناس فقدوا أخلاقيات التعامل مع الهواتف الذكية التي بحوزة الجميع كباراً وصغاراً. لا يوجد احترام لوعد أو كلمة، وهناك استخفاف متزايد بالمواعيد وأوقات الآخرين. ففي آخر لحظة وبشكل جبان - على حد تعبيرها - يقوم الناس بإرسال رسائل نصية مقتضبة وقت الموعد أو قبله بقليل يعتذرون فيه لأسباب واهية مبهمة، أو في أحسن الأحوال يقولون أنهم سيتأخرون وأنهم عالقون في زحمة السير. 

كلما خذلني أحد، أو ألغى موعداً في آخر لحظة، أو تركني أنتظر وحيدة،  أتذكر جدة مارتا. أتفق معها ودون الحاجة إلى دراسة أو بحث علمي يثبت فرضيتها أدعم نظريتها وأتبناها.


أتعرفون ما هو أكثر جزء أحببته في نظرية الجدة؟ "الجبن" .. أنها وصفت أؤلئك المتخاذلين بأنهم جبناء.
ليس من اللباقة الإدعاء بأن موعداً ما مناسب، أو أن اقتراحاً للقاء ما نال إعجاباً في الوقت الذي يضمر فيه السامع أنه لن يأتِ. 
من المضحك الآن أن قول كلمة "لا" باتت شجاعة. بالتأكيد سنقدر "لا" صريحة تعبر عن حاجات وميول صاحبها/صاحبتها عن "نعم" مجاملة ومتقاعسة ستخذلنا في آخر لحظة.

الذي ذكرني بقصة جدة مارتا مؤخراً عدد من المواجهات مع أهل، وأصدقاء، وغرباء في أوقات متباعدة وفي سياقات مختلفة. 

على سبيل المثال؛ لدينا أربع من القطط الصغيرة التي عرضناها للتبني في محاولة لتوفير حياة كريمة لمخلوقات بالغة الظرافة والهشاشة في آن واحد. من خلال مقطع فيديو قصير أعلنت على حسابي على انستجرام أن القطط الصغيرة معروضة للتبني. وصلني الكثير من الطلبات وكم هائل من الحماس والاستلطاف للفكرة، لكن عند الجد، مأساة .. لا احترام للمواعيد، استخفاف بوقت الآخرين، عدم جدية واضح في التعامل مع الأمر .. كانت خيبة أمل كبيرة.
حتى أن تلك التصرفات خلقت عندي ردة فعل عكسية تجاه أؤلئك الأفراد، وأصبح لدي شعور بأنهم مستهترون لن يتحملوا مسؤولية أرواح القطط وسيقضون عليهم بلا مبالاتهم الواضحة. 


أما عن خيبات الأمل الاجتماعية، فإن الحديث يطول. 
في جلسة حديثة العهد مليئة بالاستياء من نفس الموضوع، كان هناك أشخاص من أجيال مختلفة، بعضهم في أوائل الخمسينات وآخرون في العشرينات من عمرهم، المعظم لديهم تجارب متشابهة. كان الأصغر سناً يقولون أن الخلل في "جيل هذه الأيام" لكن يبدو أن الموضوع أعقد من ذلك فهو يطول المجتمع بكافة أطيافه.
كان هناك إجماع بأن العلاقات الإنسانية مجهدة، ببساطة .. علينا الاعتراف بذلك. القرابة والصداقة والزواج ..كلها علاقات تحتاج إلى مجهود ولا يوجد علاقات سليمة تلقائية أو استحقاقات دون أن يبذل الطرفين جهداً للتقارب والتآلف.
قالت إحداهن في تلك الجلسة جملة أعجبتني. قالت أن المسألة ليست وجود وقتٍ أو عدمه، الموضوع موضوع أولويات.


بالطبع هناك ظروف طارئة، وأعذار مقنعة، لكن إحصائياً وبالتماشي مع قانون الاحتمالات .. ما هي فرصة تكرار تلك الظروف القاهرة التي تطرأ في اللحظة الأخيرة؟

لذلك، ولنضع الأمور في نصابها:
التخلف عن المواعيد في آخر لحظة، الحنث بالوعود والاختفاء بعد أي اتفاق دون قول نعم أو لا .. كلها تصرفات أنانية لا تحترم الطرف الآخر. 
من المعلوم عند أخذ موعد أو الاتفاق على أمر ما، فإن هناك طرفاً يأخذ من وقت الشخص الآخر، يحجزه في وقت محدد من يوم معين، ويلغي كل خططه لأجل ذلك الشخص لأنه أعطاه أولوية. 
وعليه فعند إلغاء الموعد في آخر لحظة فأنت تقول له/لها: "أنت لست مهماً/ مهمةً بالنسبة إلي حتى أتفرغ للقائك وأترك ما أفعله حالياً على الرغم من أني أعلم أنك قمت بإلغاء كل خططك ومواعيدك ذلك اليوم للقائي." أنت تقول لهم بوضوح أنهم ليسوا أولوية بالنسبة إليك ولا يعني لك وقتهم شيئاً.

سأنهي تدوينة الفضفضة هذه بتوجيه شكر إلى هناء وناديا وخالتو ميسون .. أنتن رائعات! التزامكن مصدر إلهام .. أشكركن على الحب والتفاني واحترام الوقت وتقديس مواعيدنا، أنتن قدوة بالنسبة إلي وأعدكن أن أبادلكن ما تستحقونه من الحب والالتزام بالمواعيد وإعطائكن أولوية على كل شيء آخر. شكراً لوجودكن في حياتي لأنكن تعطوني الكثير من الأمل. 

حمية رقمية


منذ حوالي أكثر من شهر التزمت بحمية يراها كثير ممن حولي قاسية. ليست حمية غذائية لخسارة الوزن، وإنما حمية رقمية. حميتي الرقمية عبارة عن فصل الانترنت عن هاتفي الذكي ساعتين (على الأقل) قبل النوم، وساعتين بعد الاستيقاظ. وإغلاق الاتصال بالانترنت في حال كنت خارج المنزل. ودعوني أخبركم .. لا أزال على قيد الحياة، والحياة سعيدة والحمد لله. لم أفقد أحد حواسي، ولم يفتني أمر مهم، لم أخسر أحد أصدقائي ولم يحدث أي طارئ يجعلني أندم على الالتزام بهذه الحمية المريحة.

الذي حصل أنه في الفترة التي سبقت الشهر الذي بدأت فيه الحمية، شعرت بخواء غريب. بحكم أني لا أزال أبحث عن عمل في هذه المرحلة، ولديّ متسع نسبي من الوقت، كان لدي الكثير من الفرص لتصفح الانترنت بشكل عشوائي وعلى غير هدى. فقدت قدرتي على التحكم بالمدخلات التي تخترق دماغي وجهازي العصبي، ولم أعد أسيطر على المحتوى الذي يتسلل إلى حياتي. وكأنني كنت أُستدرج لقضاء المزيد من الدقائق والساعات على تطبيقات هاتفي الذكي.

حاولت أن أستعيد توازني بإلغاء تطبيق تويتر على هاتفي الذي كنت أتابع فيه بصمت. شعرت أنه كان يسمم حياتي، ويصيبني بخيبات أمل متكررة في كل مرة كنت أتصفحه بعشوائية. شككت باختياراتي لمن أتابع من المغردين، أو بالأوقات التي أتفقده، لكن الحقيقة كانت أن كمية الهراء والعنصرية، والشتائم والتعليقات المتهكمة، حتى الكوميديا السوداء لما يحدث في العالم من حولنا تفوق طاقة تحملي. قررت أن أحتفظ بحسابي، وأن أفتحه في فترات متباعدة من حاسوبي المحمول، وأن أقرأ بأثر رجعي تغريدات الأشخاص الذين تهمني آرائهم بالفعل.

ردة الفعل الحاسمة التي طالت تطبيق تويتر على هاتفي لم تصل إلى انستجرام، فانستجرام هو تطبيقي المفضل. لكن للأسف حتى انستجرام ليس معصوماً من الهراء. في فترة انتقالية - حرجة قليلاً - من حياتي لست بحاجة لرؤية "مؤثرين" فهموا الحياة وحققوا "النجاح"، يستعرضون ملابسهم الأنيقة، وزيجاتهم السعيدة ويعظون الآخرين ليصلوا إلى ما وصلوا إليه.
لا، شكراً جزيلاً ..صدقوا أو لا تصدقوا حتى "النجاح" مفهوم نسبي، وهناك كثيرون يشعرون بالامتعاض من نسخ "النجاح" التجارية المليئة بالاستهلاكية التي تروج لأهمية رأسمال بشكل مباشر أو غير مباشر في صور ملتقطة بعناية لمنتجات، وعلامات تجارية، وأماكن وأزياء سطّحت مفهوم الإنجاز والحجاب والصداقة وحتى أكثر الأمور حميمية كالأمومة والزواج.

شئت أم أبيت، مع كل التحري والانتقائية في اختيار الأصدقاء الانستجراميين ومن أتابع من الحسابات، كان ينفذ إلى شاشة هاتفي ما لا أرغب برؤيته. كنت أشعر أنه فخ، يقع فيه من يختار إمضاء وقت كبير على تلك التطبيقات الجذابة. وبت ألاحظ أني أقل رضىً وأكثر ملاحظة لتفاصيل لم تكن تهمني في السابق.
في السنة الماضية قطعت أشواطاً كبيرة؛ أكاديمياً وفكرياً واجتماعياً وحتى ونفسياً، ولم أشأ التراجع. أحسست أن علي أن أمسك زمام المبادرة من جديد وأستدرك الانزلاق في ذلك الفخ.

المنطق وراء هذه الحمية  هي القدرة على التحكم. التحكم بالمدخلات غير المتوقعة التي تخترق العقل والقلب والروح والتي تؤثر على مشاعرنا وأحاسيسنا المترتبة على ما اختار آخرون مشاركته على حساباتهم. وكما تقول صديقتي نور؛ الأمر بمثابة فتح باب المنزل لمن هبّ ودبّ والقول لهم تفضلوا على منزلي و قولوا لي كل ما ترغبون قوله سواء كنت مهتمة أو غير مهتمة، وأنا سأتحمل مسؤولية إدخالكم على حياتي وخرقكم لوقتي الخاص والتفاعل (إيجاباً أحياناً وسلباً في أحيان أخرى) على ما يحدث معكم.

ما يحصل هو ليس إنكاراً للآخر. بالطبع لا أستطيع الإدعاء أن المحتوى الذي لا يروق لي ليس موجوداً في هذا العالم. لكن ما أستطيع فعله التقنين في أن لا أجعله مسيطراً على حياتي وأفكاري، وأن أقلل من نفاذه إلى عقلي خصوصاً في الأوقات الحرجة، كالساعات الأولى بعد الاستيقاظ والتي تتحكم بالمزاج العام والطاقة لبدء اليوم، أو في الساعات الأخيرة قبل النوم والتي تؤثر على الجسم ونوعية النوم وحتى الأحلام!

بعد شهر من الحمية أستطيع أن أقول أني أكثر اتزاناً وسعادة ورضى.

الذي حصل أني بدون مبالغة أضفت أكثر من ٤ ساعات إلى يومي. تحسنت نوعية الوقت الذي أقضيه مع عائلتي، والتزمت بالكثير من الأمور التي كنت دائماً أجد صعوبة بالالتزام بها كصلاة الضحى، والورد اليومي من القرآن الكريم وأذكار الصباح والمساء. لدي متسع من الوقت للقراءة والمطالعة بلا تشويش. كما أني لاحظت من هو مدمن ممن حولي على هواتفهم، وكم أصبح من السهل تشتيت انتباه الكبار والصغار! فترات التركيز أقصر والجميع ملتصق بهاتفه وكأنه امتداد لجسمه، جزء لا يتجزأ من اليد.

لا أريد شيطنة تلك الأجهزة أو التهويل من مخاطرها، لكن هناك أزمة حقيقية تحدث بسبب سوء استخدامها.
على سبيل المثال؛ أليس ألف باء آداب الحديث هي ألا تقاطع من يتكلم معك؟ ومن حسن الاستماع الاصغاء لما يقوله محدثك دون الانشغال بشيء أثناء الحوار؟
لاحظت أن أقرب الناس إليّ، وأكثرهم لطافة يتفقدون هواتفهم ونحن في منتصف الحديث. كلما أمسك أحد هاتفه/هاتفهها ونحن نتكلم أصمت بالطبع، أجدها قلة احترام كبيرة، والأنكى أنه أحياناً يستغرقهم أكثر من ١٠ ثوانٍ من الصمت حتى يدركوا أننا توقفنا عن الحديث .. وهل تصدقون أنه في غالبية الأحيان لا يعتذرون؟! بصراحة أجد الأمر محزناً. إن أتفه الإشعارات على هواتفهم أكثر أهمية بالنسبة إليهم من حوار مع الجدة، أو ابن العم الصغير أو صديق/صديقة نراهم في فترات متباعدة.

ربما تعتقدون أني "زوّدتها" وأن الأمر لا يحتاج لكل هذا .. لكن الآتي أرقام ربما تجدونها صادمة لأين وصلنا في علاقاتنا المرضية مع هواتفنا الذكية:



لمصادر الاحصائيات:

ما تعلمته هذا الرمضان


كما ذكرت في تدوينة سابقة، كان هذا رمضاني الأول بعيداً عن عمان والأهل والأصدقاء. وكما هو متوقع، كان مختلفاً جداً ومميزاً، فرصة مواتية لزيارة المساجد الموجودة في لندن، وسماع الأذان وإقامة الصلاة والصلاة في جماعة.


كما كان حدثاً اجتماعياً ظريفاً شعرت أنه ألّف بين قلوب الجالية المسلمة وجمع شملها، خصوصاً وأنه - للأمانة العلمية وبعيداً عن إضفاء رومانسية غير واقعية - لم يكن سهلاً. بعد ١٩ ساعة من الصيام (بين الثانية والنصف فجراً حتى التاسعة والثلث مساء)، لا يوجد أكثر ما هو بؤساً ووحدة من تناول الإفطار بشكل فردي.
الحمد لله كان هناك الكثير من الفعاليات لدرجة أني لم أتناول الإفطار في سكني طوال الشهر الفضيل. تكاتف الطلاب والصديقات والمقيمون والمغتربون واحتوى الجميع الآخر بشكل عائلي وحميم.



أستطيع أن أقول أنه بعد انتهاء الشهر الفضيل خرجت ببعض الأفكار والدروس المستفادة:

- معظم المراتب العالية والتجارب المميزة (روحانياً وأكاديمياً ومهنياً) لا تدرك إلا بالطريقة الصعبة:
القيم المكتسبة على صعيد شخصي في الغربة تصقل جزءاً من شخصياتنا لا نعي له إلا بعد حين. هناك أمور عقائدية على مستوى رفيع تميل لأن تنضج بعد زخم من الفراغ والهدوء والتفكر. من أكثر ما يحضرني "الأنس بالله". يقول أحد الصالحين: "توكل على الله حتى يكون جلسيك وأنيسك وموضع شكواك". وقال ذو النون: "من علامات المحبين لله أن لا يأنسوا بسواه، ولا يستوحشوا معه." جاء هذا الرمضان غير التقليدي - من غير العائلة (من غير شر!)، وفي بلاد غير مسلمة - ليذكرني بقواعد أساسية غفلت عنها. الصورة الكبيرة راحت عن بالي وانشغلت بتفاصيل يومية أنستني السبب الأول والهدف الأساسي من وجودي في الحياة.


- أهمية التكتلات المجتمعية:
وبهذا أقصد المجموعات التي تتكاتف في ما بينها لوجود ما هو مشترك على مستوع مجتمعي. أفراد تلك المجتمعات ليسوا متطابقين أو صوراً مستنسخة عن بعضهم، على العكس! متنوعون ومختلفون بشكل غني ومثري، ويتفاعلون فيما بينهم بطريقة صحية لأن ما يهمهم ليس الفروقات فيما بينهم، لكن ما يجمعهم من القيم المشتركة.

فهمت أكثر ماذا تعني كلمة "أمة". أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ابتسامات مرهقة بعد يوم طويل توزع التمور عند غروب الشمس...
"السلام عليكم" أو كلمات مثل "برذر" أو "سيستر" من أشخاص نصادفهم بشكل عابر في كل مكان، لا نعرفهم لكنهم ليسوا غرباء في قلوبنا...
طعام مشترك على سفرة واحدة، وآمين موحدة في صلاة الجماعة، ورسائل قصيرة تطمئن علينا بعد أحداث محزنة واعتداءات تكتسح "الأخبار العاجلة"...


تقول صديقتي رزان أن الحياة مليئة بهدايا من الله، والعاقل من إذا عرضت عليه هدية من الله، رأها وأخذها. تلك الهدايا لها أشكال متعددة، قد تبدو واضحة للعيان، براقة وجميلة، وقد تكون مستترة ومتنكرة في صورة غربة أو كربة. قد يراها البعض امتحاناً، لكن إن فتحنا قلوبنا سندرك أن في ظاهرها العذاب وباطنها الرحمة، تجارب متنوعة مليئة بالدروس إن اتعظنا منها نخرج أناس أكثر قوة وحكمة وفهماً لأنفسنا ولمن حولنا وللحياة.




كل شيء يبدو منطقياً في الصباح




هناك صباحات مشرقة، وأخرى غائمة وماطرة.
تبين أنه في أماكن عديدة من هذا العالم، هناك العديد من الصباحات المتتالية دون شمس ، فقط إنارة باهتة منعكسة من سماء بلا لون.
لكن كل الصباحات جميلة بلا شك.


هناك اقتباس جميل على لسان الشخصية الرئيسية في أحد أعمال غسان كنفاني "القميص المسروق" يقول فيه:
"وصلت إلي الرصيف المقابل للفرن في ساعة مبكرة جداً، وكان النهار ما يزال محتفظاً بطعم النوم، وغير قادر بعد على أن يكون حقيقياً تماماً، كأنه لم يسحب نفسه بصورة كاملة من عالم الأحلام الصامت."


وهناك اقتباس آخر أحبه كثيراً من كتاب آلة الزمن للكاتب هيربرت جورج ويلس:
"قد يبدو الأمر جدير ظاهرياً بالتصديق هذه الليلة، لكن انتظر حتى صباح الغد. انتظر.. فكل شيء يكون منطقياً في الصباح."


فكرة أن الحياة تمنحنا كل يوم فرصة جديدة للبدء من جديد أمرٌ باعث على الارتياح.

كيف تكنكن في مكان جديد


 هناك نوع من "الانتماء" للمكان  لا بد من الشعور فيه حتى يكون التأقلم ممكناً. لم يكن من السهل في الأسابيع الأولى إرفاق ضمير الملكية على غرفتي/سكني/جامعتي دون أن أعرف أبعاد المكان وموقعي المادي والمعنوي فيه، لكن الآن وبكل ثقة أستطيع أن أقدم نصائح أو أفكار قد تساعد في التواصل مع مكان جديد. ليس من الضروري أن يكون بلداً آخراً، يمكن تطبيق ذلك على سكن جديد، مدينة جديدة، أو حتى مكان عمل جديد.

١. الإضاءة
بعد التجربة؛ لا شيء أسوأ من الإضاءة الخافتة الكئيبة. إن كانت الإضاءة الرئيسية في المكان ضعيفة، يمكن حل هذه المشكلة بإضافة إضاءة جانبية. شخصياً أفضل الإضاءة المائلة للصفار وأراها أكثر دفئاً (مقارنة بالإضاءة البيضاء). لحسن الحظ يتوافر حالياً العديد من البدائل الجيدة بأسعار متنوعة وموفرة للطاقة في نفس الوقت. هذا لا يعني الاستمرار بالإضاءة الساطعة على مدار الساعة، لكن توفر خيارات للتحكم بدرجات الإضاءة مهم، كالمصباح الجانبي للقراءة قبل النوم مثلاً.

قبل وبعد

٢. مشاركة المكان مع كائن حي
أحب الحيوانات الأليفة لكن في هذا السياق أفضل خيار هو النباتات. "العِرق الأخضر" كما يقولون قادر على إضافة حياة و روح للمكان بشكل بديع. نباتاتي هن شريكاتي في السكن، أفرح عندما تتجدد أزهارهن أو حتى عندما أرى براعم جديدة :) وعندما أرى تربة الحوض الصغير تغبّ بسرعة الماء الذي أستخدمه للسقي أبتسم دوماً وأتخيلهن يشعرن بالارتواء كما نشعر عندما نشرب أول شربة ماء بعد صيام يوم صيفي حار. كما أتحين وقت الضحى حتى أضعهن في البقعة المناسبة من الشباك لأتأكد أنهن يحصلن على كمية كافية من أشعة الشمس.


٣. الاستثمار دائماً مجدي في الفطور
بالإضافة إلى كونها عادة صحية، فإن تناول فطور جيد يمنعكم من الشعور بأنكم مثيرون للشفقة.
لا شيء محزن أكثر من بدء اليوم بمعدة فارغة، وللأمانة القهوة غير محسوبة.
خلال أيام الأسبوع أتناول الحليب مع الحبوب والفاكهة، وفي عطل نهاية الأسبوع "أطبشها" وأتناول بيض!


من علامات التأقلم والاستقرار إيجاد المنتجات المناسبة وتقييم العلامات التجارية ومعرفة الجيد منها. استغرقني الأمر عدة أسابيع حتى أعثر على خلطة الشوفان والغرانولا المثالية. حاولت تجربة عدد من المنتجات وكان هناك العديد من المقالب، وعندما يعيش المرء وحيداً يكون مجبراً على استهلاك وإنهاء كل ما يشتريه حتى إن لم يعجبه. لكن لحظة الانتصار تكون بعد عدة أشهر عندما تشعرون بأنكم تعرفون جيداً ماذا تريدون وماذا تحبون ولا داعي للتحديق بالمكونات والأسعار في أقسام الفطور والأجبان وغيرها من المواد الغذائية.


نصيحة أخرى هي الخضار والفاكهة الطازجة لأنها تحسن المزاج بشكل ملحوظ. معظمنا يقضي وقتاً طويلاً خارج المنزل للذلك نحتاج للألياف والسكريات الطبيعية ومضادات الأكسدة.
سأضطر للمقارنة هنا؛ فقد كان ملفتاً بالنسبة إلى مراقبة ماذا يحضر طلاب الجامعة معهم إلى الجامعة وماذا يتناولون. فرق شاسع بين وجبات الطلاب في "الشرق" و"الغرب". من المثير للغيرة رؤية الوعي الغذائي للألمان على سبيل المثال، كيف يوضبون أطعمة مغذية سهلة التحضير ودائماً لديهم فاكهة موسمية في حقائبهم. يبدو أن "جماعتنا" اتكاليين بشكل طفولي ولا مسؤول. أذكر جيداً كيف أن زملائي في العمل كانوا يعلقون علي لأني أحب الخضار وحتى أن في شغلي السابق كان زميلي يقول لي أني "رايقة" لأني أحضر فاكهة وعندما أعرض عليه برتقالة كان يقول لي أنه "يتكاسل" عن تقشيرها (!!!)
يبدو أن شخصية الطفل الشقي الذي تلاحقه والدته باللقيمات تبقى متأصله لدى العديدين.


٤. إضافة عناصر مرتبطة بذكريات جميلة حديثة
الكلمة المفتاحية في العنوان الفرعي هي "حديثة". التذكارات التي نحضرها معنا من بلادنا مهمة لكنها في الأسابيع الأولى التي نشعر فيها بالاشتياق والحنين للوطن تكون حلوة مرة وباعثة على شيء من الألم. لذلك، نحن نحتاج إلى تذكارات بسيطة من صداقات جديدة وبطاقات متاحف وخرائط وبطاقات بريدية وغيرها.



شخصياً لا أحب الدباديب والألعاب لكن عندما ذهبنا أنا وصديقتي الصينية في رأس السنة الصينية إلى القرية الصينية في لندن كان هناك فعاليات وألعاب وهدايا مجانية وحصلنا على دجاجتين لأنها كانت"سنة الدجاجة".
لم أكن أتخيل أن أحب دجاجتي بهذا القدر، أبتسم كلما أراها لأنها تجلب لي ذكرى جميلة كلما نظرت إليها.



٥. التعود على استخدام الحمامات العامة
نعم نعم .. يبدو ذلك غريباً لكنه حقيقة. التعايش يا إخوان .. التعايش ضروري جداً.
الحياة أقصر من أن نحتفظ بالسموم داخل أجسامنا ونرهق الكليتين ونجهد البشرة ونحن نتجنب شرب المياه والذهاب إلى الحمام. لا داعي لذكر فوائد شرب المياه، لكن على الأقل يقتضي التنويه أن الطلاب والموظفين يحتاجون لشرب كميات وافية من المياه لزيادة نسبة التركيز وتحسين الأداء.

النصيحة الأولى: استكشف/ي الحمامات في المباني والطوابق المختلفة، وتجنب/ي الحمامات الموجودة في الطوابق الأرضية لأن عليها حركة دائمة. تسلل/ي إلى الحمامات في الطوابق الإدارية وفي طوابق مكاتب أعضاء هيئة التدريس أو الأماكن التي ليس فيها مراجعين.

النصيحة الثانية: احمل/ي معك دائماً قنينة مياه صغيرة (٢٥٠-٣٠٠مل) فارغة (حتى لا تكون حملاً زائداً) واجعلها/ي مخصصة للحمام. عند الدخول مباشرة املأها/ي بالماء واحمل/ي دائماً مناديل إضافية احتياطية.


٦. ادحش/ي حالك
من أهم الأمور التي تسرع التواصل مع المكان والانتماء له (ولو مؤقتاً) هو تكوين علاقات وصداقات جديدة. الجميل في التجارب الجديدة أن العلاقات طازجة وتستطيعون دائماً ترك مسافات أمان. بصراحة كلما كانت العلاقات سطحية في البداية كلما كان أفضل.

النصيحة الأولى: في الأسابيع الأولى التركيز على الكم وليس النوع. لا داعي للبحث عن صداقة العمر في الأسابيع الأولى من الاستقرار، سيكون هناك توقعات وخيبات أمل وفرص كبيرة للارتباك. تدريجياً ستتوضح الأمور وستظهر أبعاد الصداقة والزمالة ومشاركة السكن وستكرر بعض الوجوه ويختفي بعضها. وسبحان الله غالباً ما تكون المشاعر متبادلة، ففي حال أحببتم شخصاً ما سيكون ذلك الشخص أحبكم في المقابل وستجدون أوقاتاً لعمل نشاطات مشتركة وقضاء وقت ممتع ومع الوقت قد يصبحون أصدقاء عمر :) لا أحد يدري.

النصيحة الثانية: اغتنام كل الفرص المتاحة للذهاب إلى أنشطة وفعاليات والتعرف على أشخاص جدد. طبعاً ليس أمراً محبباً، وبالتأكيد إنه أمر صعب وباعث على الرهبة، لكنه مثل الرياضة، كلما مارسناه أكثر أصبح أسهل وأصبح لدينا لياقة لكسر الجليد مع الآخرين وفتح مواضيع معهم غير الطقس ودرجات الحرارة.
إنها فرصة ذهبية لتنمية مهارات التواصل وتعزيز الذكاء الاجتماعي، خصوصاً إن كان الأشخاص من خلفيات مختلفة ومتنوعة.

الصورة التالية أخذت في رحلة لهواة المشي لمسافات طويلة:


وهذه كانت في رحلة تسلق للمجتمع الإسلامي:


بالطبع أتبادل التحية مع كل الأشخاص الذين تعرفت إليهم في هذه الرحلات عندما أراهم، وبعضنا أصبح يلتقي لتناول وجبة غداء أو احتساء مشروب ساخن من فترة لأخرى. تلك الأنشطة بداية رائعة لصداقات لطيفة.

أتمنى أن تكون النصائح السابقة مفيدة. لن أقول أني تعلمتها بالطريقة الصعبة لكن كانت ستوفر علي بعض الوقت والإنزعاج في حال كنت سمعتها في وقت أسبق.

هل لديكم نصائح أخرى مستوحاة من تجارب شخصية؟



Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...