‏إظهار الرسائل ذات التسميات التوحد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التوحد. إظهار كافة الرسائل

التعاطي الخاطئ مع الاحتياجات الخاصة


في أحد مراكز التسوق التجارية في عمان التي يحب أخي عبد الحميد الذهاب إليها في نهاية الأسبوع لتصفح الكتب وشراء بعض الحلوى، وجدت مجموعة قصصية مصورة للأطفال عن "الإعاقة".
على الرغم من تحفظي على مصطلح "الإعاقة" ابتسمت بكل سذاجة وحسن نية وأنا ألتقط تلك المجموعة القصصية لأتصفحها، وقلت في سري: الحمد لله أن هناك توجهات جديدة لتسليط الضوء على الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، خصوصاً وأنها موجهة للأطفال .. كم هذا رائع.
لم يستغرقني أكثر من ٥ دقائق حتى أتراجع عن ظنوني وأعقد حاجبيّ لا إرادياً، غير مصدقة الذي أراه!


أول ما وقع بين يدي كان قصة "ابني سالم"، حيث أن سالم طفل مصاب بمتلازمة داون.


المطلع على أدب الأطفال يعرف أهمية الكلمات والرسومات وتعابير وجوه الشخصيات. وبالنظر على الكمية الهائلة من الإشارات المباشرة وغير المباشرة في القصة، ليس من الصعب إدراك كم صفحات القصة مسمومة بالرسائل السلبية.

تعزز القصة جميع الأحكام المسبقة والصور النمطية التي كان من الأجدى أن تحاربها؛ الوصف الدقيق للملامح والصفات الجسمانية بشكل سلبي دعوة للتركيز على المظهر الخارجي والتغاضي عن كل الصفات والقدرات الأخرى التي يمكن رؤيتها في الشخص الذي كان أمامنا.
وُصف سالم بأن "رأسه صغير وعيناه مائلتان، لسانه كبير وذقنه قصير،عقله ضعيف والوجه مستدير .. ضعيفة عضلاته وفهمه بطيء".

سالم لم يأخذ فرصته في الحياة بعد، لكن حُكم عليه مباشرة بأن عقله ضعيف وفمهه بطيء. كم هذا مؤلم!
الأستاذ الدكتور - مؤلف القصة - بدلاً من أن يفتح الآفاق لأشخاص مثل سالم وعائلاتهم حجّمها! من الغريب أنه في أبحاثه الكثيرة التي ذكرت في المقدمة، لم يصادف المبدعين الموسيقين والجامعيين، ومن لديهم مواهب فريدة بالتزامن مع متلازمة داون.

أما عن تعاطي العائلة مع وجود شخص باحتياجات خاصة، فهو كارثي بشكل لا يصدق.


يظهر الأب في عيادة الطبيب عند التشخيص وهو يولول واضعاً يديه على رأسه والأم حزينة بسبب حملها. والأنكى ما قال الطبيب:
"وقال ابننا سيعيش في سبات
وأنه سيبقى عبئاً مدى الحياة
وأننا سنرجو لو أنه قد مات"

سبات؟؟ عبئاً مدى الحياة؟؟؟؟ سنرجو لو أنه قد مات؟؟؟!!! أهذه وجه النظر الطبية في متلازمة داون؟

تخيلوا ردة الفعل بعد قراءة هذه القصة من قبل أطفال لديهم أخ أو أخت، أقارب أو جيران عندهم متلازمة داون؟! منطقياً بعد قصة كهذه؛ هل نتوقع أن يحبونهم؟ أن يتقبلونهم وأن يلعبوا معهم؟ أن يحبوا أن يكون أؤلئك الأخوة جزءاً من عائلاتهم؟ عندما يوصف أحد أفراد العائلة بأنه عبء وعندما نرجو أنه قد مات ؛ ما طبيعة الدعم والمساعدة التي نرجوها؟!

في صفحة أخرى في نفس القصة: "في أول المشوار شعرنا بالدوار، وأصبحت حياتنا أمامنا تنهار، كآبة مخيفة تشاؤم كبير، وطالما بكينا الصغير والكبير."

استكمالاً للسجع (الذي لا أفهم سببه حيث لا يضيف أي قيمة فنية للعمل) أحب أن أضيف: ما هذا بحق الحجيم؟
هل تنهار الحياة بوجود شخص لديه متلازمة داون أو أي احتياجات خاصة أخرى بشكل عام؟ وتصاب كل العائلة بالكآبة ونوبات البكاء الهستيري؟
تسببت لي هذه القصة بقولون عصبي!

"أعراض هذا الغول" (هل أحتاج لأن أعلق هنا؟!)



نأتي الآن لقصة التوحد .. والتي عنوانها: "أخي لديه توحد"
لكم أن تتخيلوا موقفي، شمرت عن ذراعي وتنهدت استعداداً لضربات عاطفية ورسائل تربوية مغلوطة قادمة على الطريق.

"نومه عبادة"


في معظم الصفحات يظهر باسم (الشخصية المصابة بالتوحد) على عكس اسمه وهو عابس ومتجهم. وكما هو متوقع ردة فعل العائلة لوجوده سلبية تتسم بالعجز وعدم الفهم (ولا حتى محاولة التفهم) لباسم وعلامات التأخر الاجتماعية التي تبدو عليه.


في أحد الصفحات تشرح أخته وفاء حيثيات وجود باسم في حياتها لصديقتها ليلى فتعبر عن انزعاجها من تحمل المسؤولية وذهاب اهتمام الأم له. فهي تستهل كلامها ب"لا أخفي عليك يا ليلى أنني أشعر بالانزعاج (...) صحيح إنه أخي وأنني أحبه ولكنه يسبب لنا مشكلات متواصلة.."
ترتيب الكلمات في الجمل وتوظيف "لكن" مثير للامتعاض، وكأن الحب يأتي على مضض وفقط لأنه الأخ البيولوجي لذلك تتوجب محبته.

كأخت لديها أخ عزيز لديه توحد، وبحكم أني عشت حياة أسرية كان وجود شخص باحتياجات خاصة أحد الأركان الأساسية لهويتها، أعتقد أن لدي كامل الصلاحية للحنق والغضب. أكثر ما خيب أملي كان الآتي:

- تأليف العمل من قبل دكتور في الجامعة الأردنية
إذا كانت هذه الأفكار هي التي تدرس أكاديمياً لعاملين مستقبليين وأخصائيين في التربية الخاصة فهذه مأساة!
لا أكترث للتحصيل العلمي والأبحاث والشهادات التي تزين حائط مكتب الدكتور، لأن أمهات وآباء وعائلات الأطفال والبالغين ممن لديهم احتياجات خاصة لديهم مصداقية أكبر بالنسبة إلي وللعديد من الناس للحديث في هذا الموضوع. أعرف مئات النماذج ممن دمجوا البحث ولاطلاع مع المشاهدات الواقعية لحياتهم الأسرية بحيث أصبح لديهم القدرة على تفنيد مقالات سطحية في قسم "حياتنا" أو ضيوف سمجين على البرامج الصباحية ممن يتكلمون بتكلف وحزم عن الحالات الخاصة ومسبباتها وكيفية التعاطي معها وهم لم يكونوا يوماً في مكان عام أثناء نوبة غضب محرجة لشخص لديه احتياجات خاصة وسط تحديق عشرات النظرات الفضولية البلهاء.

- تقديم الأمير رعد بن زيد للقصة
أتمنى أن سمو الأمير كان كثير الانشغال في الفترة التي طلب منه تقديم العمل بحيث لم يكن لديه الوقت لقراءة جميع القصص بتمعن وأنه قدم هذا العمل المسيء على غير دراية بكل الأفكار المغلوطة والرسائل التربوية الكارثية التي يقدمها.

- دعم السفارة الهولندية وميرسي كوربس 
أتمنى أيضاً أن الفريق المسؤول عن تمويل هذا المشروع في كل من السفارة والمنظمة أُعطي نسخة أخرى وأنه لم يُصادق على هذه الأفكار ودعَمها ونشَرها لأكبر عدد من الناس وإنما تم ذلك "بالخطأ"..!



الجانب المشرق أن ثمن السلسلة القصصية مبالغ فيه وهو ٢٧ دينار وآمل ألا تستثمر أي عائلة هذا المبلغ في قصص مغلوطة أرى شخصياً أن سحبها من الأسواق والمكتبات أمر واجبٌ وضروري.


أكثر شخص أحبه في العالم


*تنبيه: أنت على وشك قراءة أكثر تدوينة شخصية كتبتها منذ بدأت التدوين

أبصر النور في مثل هذا اليوم أكثر شخص أحبه في هذا العالم. دعوني أعرفكم على هذه الشخصية المميزة؛ إنه أخي عبد الحميد.
عبد الحميد شاب عمره ٢٢ سنة، أقرب إلى الطول، وسيم (أو على الأقل أنا أراه وسيماً)، لا يتحدث أو يجري حوارات ولا يتواصل بشكل لفظي معظم الأحيان لكنه قادرٌ على أن ينشر السعادة بشكل لا يجاريه حتى أكبر الخطباء المفوّهين.

حميد يعرف جيداً ما هو الحب، يشارك الحب وينشره بلا قيود أو شروط وبلا حدود!


لم يكذب قط، ولم يتعمد مضايقة أي إنسان البتة. له ذاكرة مبهرة؛ يتذكر تواريخ كل الأحداث والمناسبات العائلية، ينبر العام الذي أطلقت فيه أغنية ما نبراً بمجرد سماعها. يعرف كل عواصم العالم ويمّيز أعلامها وعملاتها، يحب الموسيقى الكلاسيكية ويعرف أسماء مؤلفي المقطوعات الشهيرة. يشاهد الأخبار ويتصفح الجريدة كل صباح. يقدر شخصيات معينة ويقرأ عنها في الإنترنت ويشاهد الفيديوهات المتعلقة بها مثل وصفي التل ورجب طيب أردوغان.

ألا يبدو رائعاً؟! لكن كثيراً من الناس لا يتفقون مع ذلك، لأن حميد مختلف؛ عبد الحميد مصابٌ بالتوحد، ولأن عقله لا يتناسب مع رؤية المجتمع للعقول "الطبيعية" فهو غالباً ما يتجاهل أو يُساء فهمه.
لكني أحب أن أنظر إلى الموضوع من منظور مختلف، منظورٍ يضيء قلبي وأسعى لنشره، أن لو قبلنا أن حميد ومن هم مثله ليسوا "طبيعين" (عرّف طبيعي بكل الأحوال!) فهذا يعني أنهم استثنائيين! :)

للأشخاص الذين لا يعرفون ما هو التوحد هو عبارة عن اضطراب في الدماغ، معقد جداً، مجهول الأسباب وليس له علاج واضح، يؤثر على التواصل الاجتماعي والتعلم وفي بعض الأحيان القدرات البدنية.

أستبعد أن لا يكون مفهوم "التوحد" مألوفاً لعدد كبير من الناس، فكل ٢٠ دقيقة هناك حالة تشخيص جديدة للتوحد. وهذا يقودنا إلى السؤال التالي: هل زادت نسبة الإصابة باضطراب التوحد مؤخراً أم أن العلم أصبح أكثر تطوراً بحيث يستطيع تمييز أعراض التوحد أكثر من ذي قبل في الوقت الذي كان يُشخص به الأشخاص المصابون بالتوحد بتشخيصات أخرى غير صحيحة أو دقيقة؟! ... لا أحد يملك الإجابة عن تساؤلات كهذه.

لا أستطيع أن أتذكر اللحظة الأولى التي واجهت فيها التوحد لأول مرة، لكني لا أتذكر يوماً بدونه.
كان عمري ٤ سنوات عندما ولد أخي وكنت متحمسة جداً لوجود كائن حي جديد في حياتي، وبعد بضعة أعوام أدركت أنه مختلف، كان مفرط النشاط، لم يلعب كبقية الأولاد، عاش حميد في عالمه الخاص وأدار ذلك العالم بقوانينه الخاصة، كان كثيراً ما يضع أصابعه على أذنه ويتحسس من الكثير من الأصوات، وجد المتعة في أمور بسيطة؛ كاللعب بالطحين أو رمي ألعابنا أنا وأخي رضا من الشباك، أو صنع الفقاقيع في المجلى بواسطة سائل جلي الصحون.

طفولتي كانت مختلفة، وكنت مدركة لذلك. شعرت بنوع غريب من المسؤولية في وقت مبكر جداً. نمت غريزتي كأخت كبيرة حتى وصلت مرتبة قريبة من الأمومة. لكني ممتنة جداً لوجوده في حياتي.
لا أستطيع أن أتخيل حياتي بدون عبد الحميد، أشعر بأني محظوظة جداً لأنه أخي، فهناك الكثير من الأمور والدروس التي لم أكن لأتعلمها أو أعرفها لولا وجوده في حياتي. قيم وفضائل كثيراً ما نسمع بها كالحب غير المشروط، وعدم الأنانية والشعور بالآخر .. تبدو للسامع قيم نبيلة لكن تبيّن أنها لا تُكتسب إلا بطريقة قاسية ومؤلمة أحياناً.
كعائلة كان من الضروري تربيتنا على تحدي نظرات المجتمع، وحماية أعز أفراد العائلة من أي ضرر أو إساءة. كنا دائمي التيقّظ والانتباه، وتعلمنا أن نحترم ونقدّر كل من يتقبل عبد الحميد ويخصّه بمعاملة مميزة.

أختم هذه التدوينة بدعوة مخلصة إلى الله أن يحفظ أخي الحبيب ذا الخدود المكتنزة والعينين البراقتين وأن يُعنني على أن أكون أختاً صالحة له وأن تكون السنة المقبلة سنة جميلة لعبد الحميد مليئة بالحب والفرح والابتسام والذكريات الجميلة، وأن نتمكن من تحقيق أحلامه ورغباته التي لا نعرفها لأنه ليس لديه القدرة على إيصالها لنا، لكني أسأل الله أن يلهمني ويرشدني إليها :)



Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...