‏إظهار الرسائل ذات التسميات قرأت لكم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قرأت لكم. إظهار كافة الرسائل

مراجعة كتاب: دار خولة

 
الدليل على حبي لقلم بثينة العيسى هو أن رواية "دار خولة" هو العمل الخامس الذي قرأته لها، بالإضافة إلى كل الأشياء، وخرائط التيه، شرف المحاولة: معاركنا الصغيرة ضد الرقابة، وحاء.


تقول صديقتي هناء: "لو كتبت بثينة العيسى كتيب إرشادات لكيفية استخدام غسالة فإنه سيكون ممتعاً". وبالفعل المَلكة التي لديها ملهمة. فكما انها قادرة على شد القارئ في 400 صفحة كما في خرائط التيه، فإنها في 100 صفحة أيضاً تستطيع إيصال رسائل قوية بلا زيادة أو نقصان  كما في دار خولة. قوة العمل – القصير نسبياً بحكم عدد الصفحات – لا يقل عن الأعمال الأخرى الأطول التي قرأتها لها.

الرواية الصادرة عن منشورات تكوين في أيلول 2024، تدور حول خولة؛ سيدة كويتية تعيش في مجتمع يصارع بين الحفاظ على التقاليد ومواكبة تحولات العولمة. وبسبب هذه هذه التحولات الاجتماعية، نرى تأثير ذلك على خولة وعلى علاقاتها مع عائلتها ومجتمعها.


أظن أني دائماً سأكون منحازة لأسلوب بثينة العيسى الأدبي. بلغتها البسيطة دون تسطيح، والقوية دون فزلكة واستعراض لغوي، فإن أسلوبها سلس وعميق بنفس الوقت. الحوارات في الرواية واقعية ومليئة بالتفاصيل الدقيقة التي تجعل الشخصيات حية وقريبة من القرّاء. فقد نجحت في نقل مشاعر دفينة وصراعات داخلية للشخصيات بحيث يشعر القارئ وكأنه يعيش هذه التجارب بنفسه. غطّى العمل عدة موضوعات كالهوية، والموازنة بين التقاليد ومواكبة التغييرات الاجتماعية، بإضافة إلى العلاقات الإنسانية داخل الأسرة ومع المجتمع.

 إذا كنت - مثلي - مستاءً من ظاهرة انتشار اللغة الإنجليزية بشكل مبالغ به، ويسوْءُك أن لغة اللعب بين الأطفال - في المدرسة أو الحديقة أو الأماكن العامة - هي الإنجليزية، ويضايقك توجه الأهالي للمدارس الأجنبية على حساب الاهتمام باللغة والهوية العربية، وغيرها من الظواهر المشوّهة، فإن هذا الكتاب سيعجبك. لأنه يؤكد على أهمية اللغة وبناء الهوية ويوضح الشرخ الذي سيحصل، ولو بعد حين، بين الأفراد وأهاليهم ومجتمعاتهم، تماماً كما حصل بين خولة وابنها ناصر، وبين ناصر وأخيه يوسف. ولأن بثينة العيسى هي بثينة العيسى، فقد استطاعت أن تقدم لنا بطال القصة بواقعية تمنعك من الانحياز لشخصية ضد أخرى. نرى أن لدى خولة الحق بأن يكون لديها خيبة أمل والاستياء من ابنها، لكن في نفس الوقت، ناصر هو "ضحية" ونتاج ظروفه واختيارات والديه.

 إذا قررت قراءة العمل، استمتع بالتفاصيل وتأكد من الالتفات للرمزيات. سيكون من اللطيف أيضاً مناقشة الكتاب مع شخص آخر. هذا ما تؤكد عليه بثينة العيسى بنفسها حيث تقول: "القراءة التي لا يعقبها حوار قراءة ناقصة". وتضيف أن الكتب التي تناقشها مع أصدقاء قراء دائماً تكون الأرسخ في وجدانها والأكثر تأثيراً عليها. فالروابط التي تأتي من النقاشات مع الآخرين، ومشاهدة أفلام مقتبسة عن الأعمال، أو وثائقيات عن نفس المواضيع، كل هذه التقاطعات تعذّي بعضها وتعزز من فعل القراءة.


قرأت لكم: أزهار ألغرنون


بناء على نصيحة إحدى صديقاتي العزيزات، استعرت هذه الرواية من مكتبة شومان وقرأتها باللغة الإنجليزية. "أزهار ألغرنون" رواية عميقة وباعثة على التفكير والتأمل لم أعرف عنها الكثير قبل قراءتها. لكن بمجرد انتهائي منها وجدت نفسي مهتمة لمعرفة المزيد عن الرواية وعن كاتبها.


تتناول الرواية قصة تشارلي، شاب في الثانية والثلاثين من عمره، يعاني من إعاقة ذهنية ويتمتع بمستوى ذكاء منخفض. يخضع تشارلي، بالتزامن مع فأر التجارب ألغرنون، لعملية جراحية تزيد من مستوى ذكائهما تدريجياً ليصبح تشارلي عبقرياً. لكن خلال رحلة اكتسابه الذكاء يواجه العديد من المشاعر والذكريات ويصبح لديه المدركات الكافية لتحليل ما كان يتعرض له سابقاً من مزاح، وأحياناً كثيرة، سخرية وإساءة. يخلق ذلك لدى تشارلي شعوراً بالخذلان مِن من كان يعتقد أنهم أهله وأصدقائه. كما أن شعوره بالتفوق على من حوله يغذي لديه ميولاً للانعزال وتجنب التواصل مع الناس . تتراجع صحة ألغرنون (الذي خضع لنفس العملية) شيئاً فشيئاً ويموت ليدرك تشارلي أنه سيواجه المصير ذاته. يبدأ بملاحظة أن ذكائه رجع ليتناقص مرة أخرى، الأمر الذي يحفّزه على استغلال قدراته بما تبقى لديه من وقت للمساهمة في إنتاج دراسة علمية يمكنها أن تساعد في تطوير العملية التي تعرض لها ليدوم مفعولها أكثر.

الرواية مؤلمة وجميلة وفيها العديد من لحظات المكاشفة الصادقة. اتخذت الراوية بنية رسائلية، فكانت عبارة عن مذكرات ويوميات كُتبت بضمير المتكلم. كانت في البداية "تقارير مرحلية" طُلب من تشارلي كتابتها بانتظام كجزء من التجربة لقياس تطوره. تكون الكتابة طفولية ومليئة بالأخطاء الإملائية والنحوية ثم تتطور اللغة ومحتوى تلك التقارير والمذكرات تدريجياً ليعيش القارئ/ة على مدى مئتي صفحة تطور الشخصية ثم تراجعها مرة أخرى.


كتب دانييال كيز القصة أولاً كقصة قصيرة عام ١٩٥٨، ثم طورها لتصبح رواية عام ١٩٥٩. كلتا القصة القصيرة والراوية، المصنفتين ضمن الخيال العلمي، حازتا على عدة جوائز. ولأن الفكرة أصيلة وذات بُعد إنساني عميق، فليس من المفاجئ أن يُستلهم منها العديد من الأفلام وحلقات لمسلسلات ومؤلفات موسيقية وغيرها.

لطالما أراد كيز أن يصبح كاتباً. يقال أن والداه ضغطا عليه ليدرس الطب لكنه بعد أن خدم في الجيش رجع وغيّر تخصصه ليدرس علم النفس في كلية بروكلين التابعة لجامعة نيويورك. عمل بعد تخرجه في التحرير في عدد من المجلات ودور النشر، واكتسب خبرته العملية في أقسام الكتب المصورة. واصل العمل والدراسة وحصل لاحقاً على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي. امتهن التدريس وحاضر في جامعة ديترويت في الكتابة الإبداعية، كما كان لديه صفوفاً لتدريس اللغة الإنجليزية لذوي الاحتياجات الخاصة.

كان علم النفس حاضراً في جميع روايات دانييال كيز. فإحدى رواياته "عقول بيلي ميليغان" كانت عن مجرم لديه ٢٤ شخصية مختلفة. استرعت هذه المعلومة انتباهي. احترمت قدرة كيز على أن يجمع بين حبه للكتابة وحقل دراسته، وأن يكون منخرطاً في إثراء حياة الآخرين من خلال العمل مع ذوي الاحتياجات الخاصة. من الواضح في الراوية أن كيز اقترب جداً من طلابه وأنه قضى وقتاً طويلاً في التعرف إليهم وفهم ما يمرون به ولا بد أنه ربطه مع بحوث أكاديمية درسها في الجامعة.
كانت الرواية مزاوجة رائعة بين الكتابة الإبداعية والعلوم النفسية والتجارب الحياتية لأشخاص لا تتاح لهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم.

كلمات وصور زلقة


يقول عبد الرحمن منيف في مقدمة كتابة "سيرة مدينة - عمان في الأربعينات" :

"إن الكتابة عن مدينة الماضي التي يحبّها الإنسان تحول هذه المدينة إلى كلمات، والكلمات ذاتها، مهما كانت بارعة، زلقة، خطرة، ماكرة، وغالباً لا تتعدى أن تكون ظلالاً باهتة لحياة، أو في أحسن الحالات ملامسة لها من الخارج، أو مجرد اقتراب، علماً أن الحياة ذاتها كانت أغنى، أكثر كثافة، ومليئة بالتفاصيل التي يصعب استعادتها مرة أخرى."


تحدث منيف هنا عن الكلمات، أن الكلمات مهما كانت بارعة فهي لن تنجح - في رأيه - في أن تعكس الصورة الحقيقية للحياة "الأغنى والأكثر كثافة والمليئة بالتفاصيل". جعلني هذا الاقتباس أتأمل لبرهة من الوقت، فما يراه عبد الرحمن منيف في الكلمات، أراه بصورة مغايرة تماماً في الصور. فالتصوير كنوع من أنواع التوثيق في متناول يد الجميع. في وقتنا الحالي يمتلك المعظم أدوات تتفاوت في الاحترافية لكنها تؤدي الغرض سواء لالتقاط صور شخصية، أو صور للمدن والعمارة والمناظر الطبيعية وحتى مقاطع فيديو تحتوي على الكثير من التفاصيل والحركة والأصوات.

يعيب البعض بهرجة ذلك المحتوى الزخم التي يُتناقل بكثرة على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ويخضع في كثير من الأحيان إلى التحرير والمؤثرات وزيادة تشبع اللون أو التحكم بالإضاءة. حتى أن هناك تطبيقات تتيح إجراء عمليات تجميل سريعة للوجوه، فتُزال البثور والهالات السوداء ويُصغّر الأنف وتنفخ الشفاه وتصبح البشرة مخملية بكبسة زر.

وقياساً على نظرة منيف؛ تقع تلك الصور لأن تكون "ماكرة" أيضاً وألا تعكس الصورة الحقيقية لكن بالعكس. ففي الوقت الذي كانت فيه كلمات (منيف) تفشل في التعبير عن واقع غني وكثيف، تعكس كثير من صورنا صورة أكثر جمالاً وأكثر كثافة لواقع باهت و رتيب أقل مثالية وأقل بريقاً مما هو عليه على أرض الواقع.


هل نحن معنيّون بتوثيق القبح؟ هل علينا أن نتجاهل الجمال من حولنا؟ قطعاً لا.

سنلتفت في كل ربيع إلى جمال الطبيعة، وسيسحرنا بياض الثلج في كل شتاء، سنضحك لرؤية أعين الأطفال اللامعة، وسنبقى دائماً نلتقط صوراً في المناسبات والأعياد عندما نكون في أحسن هندام لنوثق تلك الأيام التي نكون فيها حسان المظهر.

لكن ما علينا الانتباه إليه - برأيي - ألا نبالغ. فلا نتكلف عناصر دخيلة على صورنا، أو نفتعل ضحكات غير حقيقية أو نشعر أن علينا دائماً أن نكون مثاليين وجميلين على الدوام. أن نحتاط من تلك الصور "الزلقة"، على غرار الكلمات التي تحدث عنها عبد الرحمن منيف، التي تجعلنا ننزلق أحياناً لفخ المقارنة بما هو غير واقعي.

سواء كان هذا المحتوى للإنتاج أو الاستهلاك (بما أن المعظم يقوم بالدورين بالتزامن) أعتقد أن علينا الالتفات لتفاصيل صغيرة تشعرنا ومن حولنا بالسعادة، تفاصيل في متناول يد المعظم، ولا تجرح من يفقدها أو تشعره بالحرمان. محتوى يساعدنا على التصالح مع الواقع البسيط، والاحتفاء بالعيش الهادئ، يقدّر القيم المعنوية ويتجاوز الاستهلاك. صور ومنشورات واقتباسات تلهم من حولنا، وتعطيهم شعوراً جيداً أو تدفعهم إلى التفكير، أو تمدّهم بجرعة من التحدي.  

قرأت لكم: الحقد على الغرب


بعنوان جاذب و دراماتيكي مثل "الحقد على الغرب" استطاع الكتاب أن يلفت انتباهي وأنا أبحث عن كتاب آخر في المكتبة العامة، وانتهى بي المطاف باستعارته وقراءته. بالإضافة إلى العنوان فإن خلفية الكاتب "جان زيغلر" شجعتني أيضاً على قراءة الكتاب. فزيغلر هو المقرر الخاص للأمم المتحدة بالحق في الغذاء بين عام ٢٠٠١ و ٢٠٠٨ وعضو في الهيئة الاستشارية للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. أي أن ذلك يعني أن المؤلف جزء من المنظومة و "شهد شاهد من أهله".


نبرة الكتاب (وخصوصاً في البداية) تبريرية وكأن الكاتب يقنع القارئ/ة أن لدى الجنوب أسباباً مفهومة للحقد على الغرب.
أليس هذا أمراً مفروغاً منه؟

شعرت أن الكتاب ليس موجهاً لي - وهذا بحد ذاته قصور برأيي واستمرار في إشكالية مركزية الإنسان الأبيض والتحيز للمنظور الغربي في مخاطبة جمهوره وتصميم محتوى الأدب والإعلام وغيره من أشكال المحتوى المختلفة لتخاطب الإنسان الأبيض المسكين الذي لا يعرف ماذا يحصل خارج نطاق أوروبا أو أمريكا الشمالية.

بما أني أعيش في منطقة ترزح تحت وطأة إرث استعماري ثقيل - مثلي مثل أي إنسان في القسم الجنوبي من العالم - فإن محتوى الكتاب لم يصدمني، الاستفاضة بأمثلة الظلم والاستغلال في مناطق مختلفة من القسم العالمي الجنوبي جعلتني أكثر حقداً على الإنسان الأبيض واستعماره القديم والحديث.
أمثلة كثيرة تناولها الكتاب كحالات دراسية في فصول مختلفة عن تاريخ العبودية في إفريقيا، واستعباد الفلاحين في شبه القارة الهندية، ثم استهتار فرنسا في خطابها مع الدول الإفريقية، فالحرب على غزة،  وصولاً إلى الوضع في نيجيريا والانقلابات العسكرية المدعومة من الغرب ثم فسحة الأمل الصغيرة في بوليفيا ..كلها نماذج أكّدت لي ضرورة تكاتف الشعوب المقهورة مع بعضها ورفضها أي "مساعدة" أو "منح" أو "دعم" مِن مَن أوصلهم إلى هذا الحال من الأساس ويستفيد من استمراريته.

حاول الكاتب أن يورد في الخاتمة توصية (لم أعرف لنا أم لهم) "بإعادة بناء الذاكرة واسترداد الهويات، وبإدراك الحقوق البشرية وبإنشاء الوطن في بلدان الجنوب".
كلام فضفاض متوقع من ابن الأمم المتحدة بتقاريرها السنوية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

رأيت الخطاب تنظيرياً، وهو الذي أورد بنفسه أن الغرب عندما عدل عن احتلال الأراضي في مستعمراته السابقة لدوافع ذاتية وليس استجابة لمطالب الشعوب المستعمَرة فإنه استمر في استعماره إذ غير الأسياد أقنعتهم ليس إلا وأحضروا أبناء الاستعمار المدللين (كما يصفهم فرانز فانون) وهم الخونة من الشعوب المستعمَرة والذين تربطهم مصالح وتعطى لهم امتيازات مقابل التواطئ مع "الغرب" على حد تعبير زيغلر. والغرب الذي لا يزال ينتفع من بؤس مستعمراته السابقة وفقرها واعتمادها عليه من خلال سياسات محكمة مفروضة عليها لتخدم مصالحه ويرعاها له البنك الدولي بشكل حثيث.


في موضع آخر يقول:
"الغرب مستبد من حيث لا يدري هوايته المفضلة ان يعظ العالم كله ويلقنه دروسا في الاخلاق . ذاكرته من حجر تتطابق ومصالحه الاقتصادية . تضلله غطرسته . فلم يعد الغرب منذ زمن طويل يعي النفور الذي يثيره . فهو يمارس دوما لغة مزدوجة فيما يتعلق بنزع السلاح و حقوق الانسان".

شهادة كهذه محاولة جيدة لكن لدي بعض الملاحظات:
- هل الغرب مستبد *من حيث لا يدري* ؟ لأن هذه مصيبة
- "ذاكرته من حجر"؟ إذن المشكلة في الذاكرة الجماعية في الغرب. والحل في هذه الحالة الاعتراف بالمشكلة على غرار تعامل ألمانيا المستفيض مع موضوع النازية وظهور أجيال لاحقة من الألمان يعيشون تحت عقدة الذنب لأنهم لا يريدون للتاريخ أن يتكرر بعد الكثير من المناهج الدراسية، وزيارات المتاحف والبرامج الوثائقية وغيرها.
- اللغة المزدوجة: التي تعرفها جيداً كشعوب الجنوب، ولا يوجد ما هو أنكى من لعب الجاني دور المخلص والمنقذ في المحافل الدولية والأزمات.

لكني لا أزال أعترف أن الكتاب محاولة إيجابية في الطريق الصحيح، وإن كنت أتمنى من أستاذ علم الاجتماع في جامعة جنيف والذي يصف نفسه في الكتاب ب"الوجيه الاشتراكي الديمقراطي الأوروبي" بأن يكون خطابه أكثر حدة في توجيه الغرب ليس لتفهم الحقد وإنما لتحمل مسؤوليته، والاعتذار عن أخطاء الماضي التي لا تزال أجيال متتالية تدفع ثمنها حتى أجل غير منظور، وأن يؤطر المشكلة بشكل أوضح برأس المال وجشع الشركات العابرة للقارات وليس فقط الاكتفاء بذكره تلك الشركات وخبثها بمعرض الحديث.

* تم نشر هذه المراجعة على موقع الجويدز في ٣ آذار ٢٠١٩

ربيع بلادنا


تصف رضوى عاشور الربيع في كتابها الطنطورية:

" نسمّي العشب في بلادنا "ربيع"، لأن الربيع حين يدور العام ويحلّ موعده، يكسو به التلال والوديان. طبقاتٌ وصنوفٌ وطوائف من اللون الكثيف أو الخشن أو العميق أو الهش أو الناعم أو الحيي الخفيف، وكلها أخضر يجمح بلا قيدٍ عليه ولا يحزنون. تنبت في رحابه زهور البر، تتناثر على هواها في المكان، ولا تملك رغم أحمرها وأصفرها ودرجات البنفسج، إلا أن تبقى منمنمة غارقة في بحره."


"وحدها شجرة اللوز تتسيد ربيع البلد، ملكة بلا منازع. لا أحد يجرؤ من جيرانها الشجر. حتى بحر البلد يغار من شجر اللوز في الربيع، والزبد أيضاً يغار، أين لأبيضه المسكين بقلب قرنفلي يأخذ الناس خلسة إلى القرمزي الصريح؟ ينوّر اللوز، يسرق قلوبنا ثم يزيد، يتملكها بثمره الهش المراوغ، لاذع وسكر. لا ننتظر تخشبه، نمد أيدينا إلى القطوف القريبة. نتسلق الأغصان فنحصل على ما نريد. نأكله عن الشجر أو نحمل زوادة منه في جيوبنا أو نرفع أذيال الثوب ثم نلمّه فيها ونطير إلى البيت."



"تقول أمي: "شباط ما عليه رباط". تقول: "شباط الخبّاط يشبط ويُخبط و ريحه الصيف فيه". وتكون الرياح نشطة والأمواج عالية والبرودة ما زالت براحتها، تقصّ العظم، كأننا في عزّ الشتاء، لكننا نعرف أن آذار على بعد خطوتين من البلد. ثم ينوّر اللوز، كأنه يفتح الطريق ويسمح، يتبعه نوار الشمس وبعدها تُجنّ الأشجار وهي تندفع إلى المنافسة، أزهارها في الأول، ثم بشائر الثمار، فنعرف أن نيسان قد ثبّت قدميه في الأرض، وأن آيار يتبعه ليسوّي القمح في البيادر والفاكهة على الشجر."


الأشياء تتداعى


قامت عمتي مؤخراً بإعطائي مجموعة من كتبها. الكتب لطيفة ومنّوعة وأغلبها من آداب ثقافات مختلفة. أنهيت منها رواية "الأشياء تتداعى" للكاتب النيجري غينوا اتشيبي والتي نُشرت للمرة الأولى عام ١٩٥٨. والآن أقرأ في مختارات من القصص القصيرة الأوزبكية.

كتبت مراجعة بسيطة على موقع جودريدز، أما التالي أحد الاقتباسات التي استوقفني من رواية "الأشياء تتداعى":


"لو قلت إننا لم نتوقع وليمة فخمة كهذه لكنت كمن يوحي بأننا لا نعرف كم هو كريم ابننا أوكونكوو. إننا جميعاً نعرفه، وتوقعنا وليمة كبيرة. ولكنها كانت حتى أكبر من توقعاتنا. شكراً لك. وأدعو أن تعوّض على ما أنفقته عشرة أضعاف.

وإنه لأمر حسن في هذه الأيام التي يعتبر فيها الصغار أنفسهم أحكم من الكبار أن يرى المرء رجلاً يقوم بالواجب على الطريقة الرائعة القديمة. إن الشخص الذي يدعو أقاربه إلى وليمة لا يفعل ذلك لإنقاذهم من الجوع، فهم جميعاً لديهم طعام في بيوتهم. وعندما نجتمع في ساحة القرية في ضوء القمر لا نفعل ذلك من أجل القمر، فكل شخص يستطيع أن يشاهده من منزله الخاص. إننا نجتمع لأنه أمر حسن للأقارب أن يفعلوا ذلك. وقد تتساءلون أنتم - ولوّح بذراعه مشيراً إلى حيث كان يجلس معظم الشباب - بالنسبة إلي لم يبق أمامي سوى وقت قليل في هذه الحياة، وكذلك كبار هذه القبيلة أوشيندو وإيميغو .. ولكني أخشى عليكم، أنتم الشباب لأنكم لا تدركون كم هو قوي رباط القرابة. إنكم لا تعرفون ماذا يعني أن تتكلموا بصوت واحد. وما النتيجة؟ لقد حلت ثقافة جديدة مقيتة بين ظهرانيكم. ويستطيع المرء الآن أن يهجر أباه وأشقاءه، ويستطيع أن يشتم معتقدات آبائه وأجداده، مثل كلب الصياد الذي يصيبه السعار على صاحبه ويرتد عليه. إنني أخشى عليكم .. أخشى على العشيرة."

والتفت ثانية إلى أوكونكوو وقال: "شكراً لأنك جمعتنا سوية".

نفسيات وفصول


إنه ذلك الوقت من العام الذي يُروّج فيه إلى أن التقلبات المزاجية التي تواجه الكثير من الناس بالتزامن مع الاعتدال الخريفي طبيعية. على الرغم من شيوعها و وجود بعض الدراسات التي تدعم هذه النظرية إلا أن لها وقعاً على مسامعنا يوحي وكأنها إشاعة، أو خرافة متداولة على غرار الأبراج، أو تفسير كسول من مستمع ملول لشكوى أحدهم ولتعبيره عن الانزعاج أو عدم التوازن الذي يشعر به.
ربما كانت فعلاً ضرباً من الهروبية نقوم به لإلقاء اللوم على خفوتنا الموسمي وعدم نشاطنا وتعكر أمزجتنا، و لربما كان ظاهرة حقيقية على غرار المد والجزر وظاهرة القمر المكتمل وغيرها .. كلها تكنهات.
يبقى لنا الاعتراف أن إلقاء اللوم والتهرب من المسؤولية فيه راحة جزئية (وإن كان كاذباً ومؤقتاً)، فيبدو أن هناك حاجة دائمة لدى الانسان للشعور بارتباطه بشيء أكبر منه، يستعين به لتفسير كل ما هو غير منطقي في حياته، وتعاقب الفصول أحد تلك التفسيرات الكسولة.

الأبيات التالية لأبي بكر الصنوبري:









قرأت لكم - حرب الكلب الثانية


بعد إنتاج أدبي غزير، حاز إبراهيم نصر الله هذا العام على جائزة الرواية العربية (البوكر) عن روايته الأخيرة "حرب الكلب الثانية". يمكن تصنيف هذه الرواية ضمن أدب المدينة الفاسدة أو "الديستوبيا" حيث تدور أحداثها في المستقبل في مجتمع مُتخيّل يتسم بالفساد والخراب والانحطاط الأخلاقي.

بالاستناد على معطيات حالية تم تقديم صور مستقبلية مضخمة عن مجتمع  يتمتع بمستوى متطور جداً من التقنيات المستخدمة في التعليم والترفيه والمواصلات، يرافقه درجة عالية من التلوث والاختلال الطبيعي، وتشوّه واضح للقيم والعلاقات. حتى الحيوانات في الرواية تشوّهت أشكالها وفطرتها، فالكلاب مثلاً لم تعد وفية لأصحابها وغدت تتسم بالغدر.

قُدمت فكرة أخرى مثيرة للاهتمام وهي أن التاريخ لا يعيد نفسه كما هو مشاع، بل إنّ البشر لا يتعلمون من أخطائهم. فقد تم تسليط الضوء على عدد من الحروب التاريخية ومع العلم أن أسباب تلك الحروب كثيراً ما تكون سخيفة وعواقبها وخيمة إلا أن البشر لا يتوقفون عن افتعال حروب جديدة. ففي الزمن الذي تناولته الرواية والذي شاع فيه الاستنساخ بكل طاغٍ، أصبح البشر متشابهون جداً بالأشكال والطبائع لكنهم مع ذلك في صراع دائم بسبب اختلافات يخلقونها بأنفسهم.

ربما يكون الانطباع الأول الذي تتركه الرواية بعد الانتهاء من قراءتها هو الامتعاض والاشمئزاز. هناك الكثير من القراء ممن يعتقدون بأن ذلك إشارة إلى نجاح الكاتب في إيصال فكرته. فكتب من هذا النوع تترك أثراً في نفس القراء وقد ترافقهم لعدة أشهر أو حتى سنوات لاحقة، حيث يقومون بعقد مقاربات ومقارنات ذهنية بين روايات الديستوبيا المتخيّلة والأحداث التي تدور على أرض الواقع، تماماً كما يستشهد البعض برواية جورج أورويل "١٩٨٤"، أو سلسلة "ألعاب الجوع" لسوزان كولنز، أو قصة آلان مور التي حولت للفيلم الشهير "ثاء رمزاً للثأر".


مناقشة هذا النوع من الكتب في نادي قراءة أو مجموعة أصدقاء يضفي الكثير من الأبعاد ويضيف عمقاً جديداً للكتاب. على الرغم من تباين الآراء وتفاوتها، فقد كانت مناقشة "حرب الكلب الثانية" في نادي الكتاب الصغير الذي أنشأناه مناقشة مثرية ومليئة بوجهات النظر والاسقاطات والاستقراءات (السلبية للأسف) للمستقبل.








قرأت لكم - موت صغير


يغلب على نشاط مثل القراءة أن يكون نشاطاً فردياً، لكن مناقشة كتاب ما بشكل جماعي يضفي بُعداً آخر ليس فقط للكتاب نفسه، وإنما لمن نناقش معهم وحتى المكان الذي يتم فيه النقاش.
في محاولة طموحة للالتزام بتقليد شهري صغير هذا العام، قررنا الاتفاق على قراءة كتاب واحد شهرياً والالتقاء في مكان هادئ وأليف لمناقشته. نجحنا الشهرين الماضيين في قراءة معذبو الأرض لفرانز فانون، وكتاب موت صغير لمحمد حسن علوان. وحتى نلتقي في شهر آذار الحالي؛ الآتي بعد الاقتباسات التي أعجبتني من كتاب "موت صغير":





اقتباس - لماذا نقرأ





"لا تقرأ من أجل المعارضة والتفنيد، ولا من أجل الإيمان والتسليم، ولا لأجل جلب الحديث، ولكن اقرأ لكي تزن الأمور وتتمعن فيها.
إن بعض الكتب ينبغي أن يُذاق، وبعضها يجب أن يزدرد، والبعض القليل خليقٌ أن يُمضغ ويُهضم ... ذلك أن بعض الكتب ينبغي أن يُقرأ منها شيء، وبعضها ينبغي أن تُقرأ ولكن ليس بالحرص التام، وقليلة هي تلك الكتب التي يجب أن تقرأ كاملة وبكامل الاجتهاد والانتباه".


- فرانسيس بيكون، المقالات.






مسؤولية المثقف


قامت صديقتي بإعارتي كتاب "مسؤولية المثقف" منذ فترة. شعرت بنوع من الإطراء أنها أحضرت لي الكتاب وظنّت أن علي أن أقرأه. بصراحة عنوانه يوحي لي بأنه من الكتب التي يمكن أن أقرأها في مراحل لاحقة، ففي حال كنت وجدته في معرض الكتاب على سبيل المثال فإني سأشعر أن شرائي ذلك الكتاب تصرفٌ فيه كِبر خفي (أو ربما جليّ) وشعور بالنخبوية .. حسناً، ربما تلك مغالاة في التفكير. بكل الأحوال قرأت الكتاب، فهو من صديقة عزيزة، وتأليف علي شريعتي، كما بدا لي كتاباً سريعاً لنحوله النسبي.


“مسؤولية المثقف” هو الكتاب الثاني الذي أقرأه لعلي شريعتي بعد “النباهة والاستحمار”. الكتاب كتاب فكري يتناول قضايا ذات صلة بعلم الاجتماع. كتب مقدمة طبعة دار الأمير أحد علماء الاجتماع في إيران وهو الدكتور غلام عباس توسلي. جانب توسلي التوفيق عندما أطال في قرابة ال ٤٠ صفحة في التقديم لشريعتي، في الوقت الذي كان متن الكتاب لا يتجاوز ال ١٥٠ صفحة. 

على الرغم من أن عدد صفحات الكتاب قليل نسبياً، إلا أن شريعتي تمكن من تقديم محتوى فكري أصيل ودسمٍ. أستطيع أن أتخيل كم كان هذا العمل ريادياً ومستحدثاً في الوقت الذي كتب فيه الكتاب. واللافت أنه لا يزال ذا صلة وثيقة بالحاضر، ولا أرى محتواه لاغياً أو غير صالح في المستقبل أيضاً، فهو يصلح أن يكون من الكلاسيكات. 

تدرج الكاتب في طرح أفكاره بشكل منطقي ومتسلسل، فقدم خلفية تاريخية، واستخدم المقارنة والمقاربة وتدريجياً بنى نظرياته الخاصة بالاستناد على ذلك. بدأ الكتاب بتناول ظهور طبقة المثقفين وكيفية نشأتها في أوروبا في القرن السابع عشر، والسمات التي كانت تتصف بها تلك الطبقة، ثم ناقش إمكانية نشأة طبقات موازية في أماكن مختلفة في العالم وفي أزمنة مختلفة في ظروف تتشابه أحياناً وتختلف في أحيانٍ أخرى. كما طرح موضوع مسؤولية المثقف، صلته بمجتمعه والدور الذي عليه أن يلعبه فيه. 
أحببت الجزء الأخير من الكتاب الذي خُصص لتوثيق محاضرة لشريعتي أجاب فيها على أسئلة الحاضرين. الأسئلة كانت جيدة وعميقة والإجابات كانت قوية كذلك.

في العادة أشارك الاقتباسات التي أعجبتني في الكتب التي أقرأها. وجدت نفسي مع كتاب “مسؤولية المثقف” معجبة باقتباسات طويلة لم أستطع تجزئتها أو اقتطاعها لكي لا أفسد الفكرة. التالى بعضة اقتباسات مما قرأت:


“ توجد اليوم نظرة عالمية ورابطة عالمية، فكيف يصح الحديث عن القومية والاعتقاد بها؟
إن هذه القومية التي أؤمن بها ويؤمن بها أمثالي ليست القومية التي بدأت نشاطها بمقاومة الحركة العالمية، وليست انغلاقاً على الذات وبُعداً عن العالم، لا تعني الابتعاد عن الذين يعانون آلامي أو يعتنقون نفس أفكاري لكنهم  ليسوا في إطار قوميتي. والقومية بمعناها الكلاسيكي عبارة عن: الاستناد على خصائص قومية وعرقية، لكن القومية التي أنادي بها لا تعني هذا، القومية التي أؤمن بها هي الاستناد على الشخصية الثقافية والروحية للذات والوطن، وهي مختلفة، ومن يستند على الخصائص العرقية والقومية ليس مسلماً، ولا يمكن أن يعتنق مسلم هذا المبدأ، هذه جاهلية وفاشية. لكن ذلك الذي يستند على ثقافته و روحانياته وشخصيته الاجتماعية إنما يقوم بعمل إنساني في مرحلة بشرية، ففي زمن ما أكون مرتبطاً بمجتمع خاص، فمن الناحية القومية أنا مرتبط بإيران، ومن الناحية الدينية أنا مرتبط بالإسلام وأملك هذا التاريخ الخاص والثقافة الخاصة. والآن نرى بأنني وأمثالي في كل المجتمعات من إسلامية وغير إسلامية قد أصبنا بنوعٍ من التمزّق والانفصال عن ثقافتنا القومية وعن شخصيتنا القومية، أي صرنا بشراً بلا شخصية، لأن شخصية الفرد عبارة عن الاسس التي يأخذها من تاريخه وثقافته ، هذه هي خلاصة الشخصية الاجتماعية، وعندما أصبح غريباً عن ثقافتي وديني وتاريخي فإنني أفقد الشخصية الإنسانية. وحين أكون بلا ثقافة أو شخصية قومية بالمعنى الذي قلته وبلا تاريخ وبلا دين، أي فرداً خالياً من المحتوى وبلا أساس روحي، فاقداً للتمييز والمنطق وقدرة الاختيار، وأشركت نفسي مباشرة في حركة عالمية، حركة فكر إنسانية، فمن الذي سوف يستفيد من هذه الشراكة في الفكر العالمي أو فكر المساواة الإنسانية؟ بالطبع هو الذي يملك كل شيء ، عندما يريد فقير لا رأسمال عنده ولا شخصية أن يمد يده المساواة والأخوة إلى إنسان يملك كل شيء، ويملك قدرة الاختيار والقوة والشخصية، فأي يد المساواة تكون هذه اليد؟ هي يد سيطرة من يملك على من لا يملك. “



“ سائق سيارة الأجرة في فرنسا الذي يعمل سبع ساعات ويضطجع سبع عشرة ساعة، وكل أموره مؤمنة ومضمونة، هل وصل إلى هذا الأمر من ساعات عمله؟ أم من نهب إفريقيا؟ مما يبعون البندورة في نفس باريس بخمسة قروش لكل كيلو لأنهم يجلبونها من إفريقيا. مما اكتروا غابات البن في تشاد مجاناً، أربع إفريقيين يعملون له البن هناك، وهو يدفع خمسين توماناً وبعد أيام يربح خمسة ملايين تومان، وبعدها يقول أن رب العمل كان منصفاً فقد أعطى لهم مالاً كثيراً. إنه لم يعطه من كيسه الخاص وإنما من يعطي المال المنهوب وليس من ماله.”

قرأت لكم


تطلب جذب اهتمامي بالنتاج الأدبي لسنان أنطون اقتباس عابر عن الشتات ذُكر على مسمعي في حوار مع أحد الزملاء في الجامعة. وعلى الرغم من ضيق الوقت واقتراب موعد الامتحانات النهائية، وجدت نفسي مدفوعة إلى قراءة بضعة أعمال للكاتب وهي: "يا مريم"، "وحدها شجرة الرمان"، و"ليل واحد في كل المدن".
ذكرتني الروايات برواية "فرانكشتاين في بغداد"، وكأن هناك صنف أدبي جديد يتناول الرواية العراقية بعد الغزو الأمريكي بشكل مؤلم يعتصر قلب القارئ/القارئة ويسبب الحسرة والألم على ما آلت إليه الأمور. اللغة جميلة بشكل سلس وغير متكلف والأحداث محبوكة بدون إطالة.

الاقتباس التالي من "يا مريم":




كل شيء يبدو منطقياً في الصباح




هناك صباحات مشرقة، وأخرى غائمة وماطرة.
تبين أنه في أماكن عديدة من هذا العالم، هناك العديد من الصباحات المتتالية دون شمس ، فقط إنارة باهتة منعكسة من سماء بلا لون.
لكن كل الصباحات جميلة بلا شك.


هناك اقتباس جميل على لسان الشخصية الرئيسية في أحد أعمال غسان كنفاني "القميص المسروق" يقول فيه:
"وصلت إلي الرصيف المقابل للفرن في ساعة مبكرة جداً، وكان النهار ما يزال محتفظاً بطعم النوم، وغير قادر بعد على أن يكون حقيقياً تماماً، كأنه لم يسحب نفسه بصورة كاملة من عالم الأحلام الصامت."


وهناك اقتباس آخر أحبه كثيراً من كتاب آلة الزمن للكاتب هيربرت جورج ويلس:
"قد يبدو الأمر جدير ظاهرياً بالتصديق هذه الليلة، لكن انتظر حتى صباح الغد. انتظر.. فكل شيء يكون منطقياً في الصباح."


فكرة أن الحياة تمنحنا كل يوم فرصة جديدة للبدء من جديد أمرٌ باعث على الارتياح.

قرأت لكم



الاقتباس التالي من كتاب إدوارد سعيد "تعقيبات على الاستشراق":

كيف يقوم إنتاج المعرفة بالخدمة الأفضل للأغراض الجماعية بوصفها نقيض الأعراض الفئوية؟
كيف يمكن إنتاج معرفة غير مهيمنة وغير عسفية في أجواء منخرطة بعمق في سياسة واعتبارات ومواقف واستراتيجيات السلطة؟

في هذه الحالات المنهجية والأخلاقية من إعادة النظر في الاستشراق سوف أشير على نحو واعٍ تماماً إلى مسائل مماثلة أثاراتها التجارب النسوية أو تجارب المرأة، ودراسات السود والإثنية، والدراسات الاشتراكية أو المناهضة للإمبريالية، وجميهعا تستمد نقطة انطلاقها من حق الجماعات البشرية التي لم تُمثل أو أُسيء تمثيلها من قبل، في التعبير عن وتمثيل نفسها في ميادين جرى تحديدها سياسياً وفكرياً بحيث تقصي تلك الجماعات وتغتصب وظائفها الدالة والممثلة وتطمس واقعها التاريخي. وباختصار، فإن إعادة النظر في الاستشراق من هذا المنظور الأعرض والتحريري لا ينطوي على أقل من خلق موضوعات جديدة لنوع جديد من المعرفة.


قرأت لكم - طيور أيلول


اكتشفت مؤخراً أني بخيلة قليلاً في إعطاء النجوم على موقع "جود ريدز" في تقيمي للكتب التي أقرأها. كنت فيما مضى أرتاد مناقشات للكتب و نوادٍ للقراءة، ولم يخطر ببالي أبداً أن أتحول إلى واحدة من أؤلئك القراء صعبي الإرضاء الذين "لا يعجبهم العجب".

لكن على ما يبدو أن هناك تناسباً عكسياً بين عدد الكتب التي يقرأها الفرد وبين فرصة إعجابه بها؛ أي أنه كلما قرأ الانسان أكثر، كانت احتمالية إعجابه بالكتاب أقل. على فرض أن الذائقة الأدبية تتحسن مع القراءة والاطلاع، وأن معايير التقييم تصبح أكثر صرامة وحزماً.

قرأت على مدى يومين كتاب "طيور أيلول" للكاتبة اللبنانية إملي نصر الله. كان من اللطيف الاندماج بقراءة كتاب عن القرية اللبنانية، زاخر بالصور المستوحاة من الطبيعة المحيطة، ونصوصه مكتوبه بعناية فائقة ولغة جزلة.
التالي أحد الاقتباسات التي استوقفتني على لسان الشخصية الرئيسية في الرواية "منى":


المزيد من الاقتباسات من نفس الكتاب موجودة في مدونتي على موقع تمبلر.

الأتباع والهراطقة


أتوقع أن يتبادر لأذهانكم مباشرة بعض الشخصيات التي تعرفونها بعد قراءة النص التالي من كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب" لعلي عزت بيجوفيتش:

"يوجد نوع من الناس يعجبون بالسلطة القوية، يحبون النظام ويعشقون التنظيم الخارجي الذي يشبه تنظيم الجيش، حيث يكون معروفاً من يعصي الأوامر ومن يطيعها. إنهم يحبون المناطق الجديدة التي ألحقت بالمدن، حيث تقام منازل متشابهة في صفوف متراصّة ذات واجهات موحدة. ويحبون الزي الرسمي الموحد وفرق موسيقى الجيش، والعروض و الاستعراضات .. وغيرها من الأكاذيب التي تزّين وجه الحياة وتجعلها أكثر قبولاً. إنهم بصفة خاصة يحبون أن يكون "كل شيء طبقاً للقانون". هؤلاء الناس يتمتعون بعقلية الأتباع .. إنهم ببساطة يحبون أن يكونوا أتباعاً. فهم يحبون الأمن والنظام والمؤسسات، والثناء من رؤسائهم، وأن يكونوا موضع عطف منهم، وفوق ذلك، هم مخلصون مسالمون أوفياء، ومواطنون ذوو ضمائر حية. يحب الأتباع أن تكون عليهم سلطة، ويحب أصحاب السلطة أن يكون لديهم أتباع. فهم جميعاً متوافقون كأنهم أجزاء من كل واحد.



ومن ناحية أخرى، يوجد أناس أشقياء ملعونون، في ثورة دائمة ضد شيء ما، يتطلعون إلى شيء جديد على الدوام. إنهم قليلاً ما يتحدثون عن الخبز ولكنهم يتحدثون عن الحرية كثيراً، ويتحدثون عن السلام قليلاً وعن الشخصية الإنسانية كثيراً. ولا يقبلون فكرة أن الملك هو الذي يمنحهم مرتباتهم، وإنما على العكس، يزعمون أنهم هم الذين يطعمون الملك (ليست الحكومة التي تعولنا، وإنما نحن الذين نعول الحكومة). هؤلاء الهراطقة الخارجون لا يحبون السلطة ولا تحبهم السلطة. في الأديان يوقر "الأتباع" الأشخاص والسلطات والأوثان، أما عشاق الحرية المتمردون فإنهم يمجدون الله فحسب."


Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...