الحراك الشعبي: عندما يخرج المارد


يعيش الشارع الأردني حالة من النشوة بعد انتصاره بإسقاط حكومة الملقي، وتعهد رئيس الوزراء المكلف الجديد بسحب قانون الضريبة الذي أشعل فتيل "الأزمة" على حد تعبير الصحف المحلية.

الأردن: اعتصام مجلس النقابات المهنية في عمان
وعقب انتصار إرادة الشعب، يتندّر الكثير من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بشماتة مفهومة على كل من شكك وخوّن وحاول إثباط عزيمة المتظاهرين والمعتصمين والمشاركين في الإضراب أو أي شكل من أشكال الحراك الشعبي. والحقيقة أن وجود أولئك المشككين - سواء بسلبية بريئة أو بانحياز أعمى للنظام - مظهر طبيعي، و وجودهم غير المحبب والمستفزّ على الدوام أحد العناصر الأساسية في أي مشهد سياسي تجتاحه حركة من حركات الاحتجاج السلمي.
هذا ما أكدّه الصحفي والحقوقي "ستيف كراوشو" في محاضرة حديثة له في جامعة لندن للاقتصاد عنوانها "هل حقاً هناك جدوى من الاحتجاجات؟"

يجيب عن هذا السؤال الأكاديمي دانيال ك. جيلين في كتابه "القوة السياسية للاحتجاج" الذي بنى نظرياته بعد دراسة الحراك المدني - مع تركيز على موضوع حقوق الملونين - في الولايات المتحدة بين ١٩٦٠ و ١٩٩٠. يعتمد نجاح الاحتاجات - بحسب جيلين - على نوعها ومدتها، فهي تحتاج لنفس طويل ومواظبة لأطول فترة ممكنة. على سبيل المثال؛ تمرد روزا باركس و رفضها إعطاء كرسيها في الحافلة لرجل أبيض كان بداية إلغاء قوانين التمييز العنصري، وهو ما أشعل حركة طويلة من الاحتجاج تمثلت بما يسمى "مقاطعة مواصلات مونتغمري" والتي امتدت ل ٣٨١ يوماً. وعليه فإن استمرارية الضغط الشعبي هي المفتاح الحقيقي للتغيير.

كل حركة احتجاجية لا بد وأن ترافقها موجات من التشكيك والتخوين والتقليل من فعالية الحراك الشعبي. يدعي أولئك السلبيون أنهم واقعيون وأن ما يطلبه المحتجون غير منطقي ويستعصى تحقيقه إلى أن يتم تحقيقه بالفعل.

الأردن: منطقة الدوار الرابع في اليوم السابع في الاعتصام (المصدر)

يذكرنا ذلك بالعديد من الحالات في بلدان حول العالم في حقب تاريخية مختلفة، مثل انهيار الاتحاد السوفيتي، وسقوط جدار برلين، الحراك السياسي في البرازيل، واحتجاجات بولندا وثورة إيران وحتى الإطاحة بمبارك الذي حكم مصر لثلاثة عقود متواصلة. المفصل هنا هو قوة الشعوب، وقدرتها على التغيير. هذا ما طرحه "كراوشو" في مجموعة من الحالات الدراسية التي أوردها في كتابه الأخير "روح الشارع". فعندما يجتمع المستضعفون على هدف واحد فإن اجتماعهم ذاك يخلق قوة عظيمة تهابها حتى أكثر الأنظمة شمولية ودكتاتورية. وتلك القوة السلمية تتمتع بروح من التحدي والابتكار في التعبير عن المطالب والاعتراض و تتّسم بشيء من الدهاء والفكاهة في كثير من الأحيان.

عندما نسمع مفردات مثل "احتجاج" أو "تظاهر" أول ما يتبادر إلى أذهاننا مسيرات حاشدة لمجموعة من الناس في أماكن عامة مع تواجد أمني كثيف للسيطرة على تلك التجمعات. لكن للحراك المدني وجوهاً أكثر من ذلك بكثير، تماماً كإضراب أيام الأربعاء الذي دعت له النقابات المهنية، أو توقيع العرائض، أو وسائل التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي. 

من البديهي أن المحرك الأساسي لتلك الحركات الاحتجاجية هو الاستياء والغضب والحنق من السلطة. وعلى الرغم من الآثار المدوية لها كنشر الوعي، أو لفت الانتباه لقضايا معينة أو حتى الإطاحة بدكتاتوريات مزمنة؛ فإن أشكال الاحتجاج لا تكون عنيفة بالضرورة. والأمثلة كثيرة، تماماً كجمع ٤٥٠٠ زوجاً من الأحذية أمام مجلس الاتحاد الأوروبي في بروكسل، في رمزية لكل الشهداء الفلسطينيين في العقد الماضي على إثر مجارز الاحتلال الأخيرة في غزة.  وهناك أيضاً الحركة أمام مبنى الأمن الفيدرالي في موسكو  بصنع طائرات من الورق لمحاكاة شعار تطبيق "تيليجرام" احتجاجاً على حجب السلطات الروسية للتطبيق، أو أعمال رمزية أشبه بالفنون المعاصرة كحركة عمال البناء الإيطاليون في شباط ٢٠١٣ بصف الخوذ التي يلبسونها أثناء العمل في ميدان عام، كرد فعل على تراجع القطاع وخسارة العديد منهم أعمالهم بسبب الركود الاقتصادي.

بلجيكا: ٤٥٠٠ حذاء أمام مجلس الاتحاد الأوروبي في بروكسل مقابل الفلسطينيين الذين استشهدوا العقد الماضي (المصدر)
روسيا: الطائرات الورقية كأسلوب للاحتجاج على حجب السلطات تطبيق "تيليجرام" (المصدر)
إيطاليا: مظاهرة خوذ عمال البناء (المصدر)
إيطاليا: مظاهرة خوذ عمال البناء (المصدر)

قام الباحث والأكاديمي "جين شارب" بتطوير قائمة جمع فيها ١٩٨ شكلاً من أشكال الاحتجاج السلمي. إن المتفحّص لتلك القائمة يلاحظ تنوعها وتعدد أوجهها الدينية والاقتصادية والسياسية والرمزية. العديد العديد من مظاهر الاحتجاج، كأداء شعائر دينية بشكل جماعي في مكان معين - وهذا ما فعله معتصمو الدوار الرابع بتناول الإفطار أو السحور مكان الاعتصام -، أو الإضراب عن الذهاب للعمل أو فتح المحال التجارية، الإضراب عن الطعام، أو حتى استخدام الحيوانات كما قام نشطاء في أوغندا بتنظيم مظاهرة للخنازير التي تم طلاء شعرها بلون الحزب الحاكم والتي سببت إرباكاً مضحكاً للأمن.
أرجح الظن أن تلك القائمة ستكبر وتتمدد حيث لا ينفك المقموعون والمقهورون والنشطاء حول العالم بابتكار طرق ريادية للتعبير عن أنفسهم.

والسؤال الذي يطرح دوماً هو كيف يتم تحويل أنشطة الاحتجاجات الشعبية إلى حراك سياسي فاعل؟
يقترح "إريك ليو" ثلاث تكتيكات لتحويل الحراك الشعبي إلى تغيير سياسي مستدام:

١. توسيع نطاق ما هو "ممكن"
الخطوة الأولى هي تحدّي المسلمات، وعدم الاستجابة لخطاب "لن يتغير شيء" أو "كل ما تقومون به ليس له جدوى" أو "ما تطالبون به كثير أو غير منطقي". الرد الأمثل على مثل هذا الخطاب الاستسلامي يجب أن يكون قوة ذاتية دافعة مؤمنة ب "لم لا؟" و "ماذا لو تمكنا من ذلك؟" والإيمان بالقدرة على التغيير.

٢. اخيار نزال مفصلي
النزال المفصلي يكون بالمطالبة بتغيير مهم ينبني عليه تغييرات أخرى مهمة وذات صلة. مثال على ذلك، السعي لتحديد حد أدنى عادل من الأجور، فهو تفصيل مهم، لكنه في نفس الوقت مدخل للكثير من القضايا كتحقيق العدالة الإجتماعية و التمكين الاقتصادي من خلال مراجعة لظروف العمل والتشغيل، وخلق فرص عمل عادلة للأفراد وغيرها من الجزئيات التي تندرج تحتها.

٣. السعي لفوز "مبكر"
الحراك كما ذكر آنفاً يتطلب طول نفس ومثابرة، وقد يكون مثيراً للتعب والكلل ومستنزفاً للطاقة في بعض الأحيان. لذلك من الضروري التفكير استراتيجياً بتجزئة المُهمّة إلى مراحل، والاحتفاء بتحقيق هدف كل مرحلة.
الانتصارات - وإن كانت صغيرة نسبياً - تخلق الدافع، وتجدد الإيمان بالقدرة على التغيير. تماماً كالاحتفال بسحب قانون ضريبة الدخل بعد إسقاط الحكومة السابقة مع التفاؤل الحذر والحلم بوعي كما يقول همام يحيى، آملين أن يكون بداية لسلسة من التغييرات الإيجابية بعد عقود من خيبات الأمل.


هناك تعليقان (2):

  1. صور الاحذية والخوذ مؤلمة وملهمة تذكرت حملة طفي الضو ضد غاز الاحتلال وتذكرت حملة مقاطعة بطاقات الشحن بس غلو سعرها وفي حملة المقاطعة بالمغرب بالفعل قادرة الشعوب انها تغير اكبر وأصغر الأشياء عندما المارد يريد

    ردحذف
    الردود
    1. صحيح .. المقاطعة أداة قوية جداً

      فعلاً هناء، ذكرتيني بمقالات أكاديمية عن الآثار الاقتصادية يلي نتجت عن حركات المقاطعة بعد الرسوم المسيئة
      وحتى الاشاعات مثل تصاميم شعارات علامات تجارية للأحذية بتشبه عبارات دينية أو لفظ الجلالة
      التلويح بالمقاطعة كافي كان انه يرعب أكبر الشركات العالمية

      المهم انه الله يثبتنا ويرزقنا الجلد وطول البال والمثابرة، ويا رب بحياتنا ما نكون عاجزين أو مستسلمين أو نستقلّ شو ممكن نعمل .. بالآخر، زي ما بتقولي دايماً : العيار يلي ما بصيب بيدوش :)

      حذف

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...